هناك أشياء لم أعد أعرف كيف أتعلّق بها كما كنت من قبل: الأشخاص، الأماكن، الأشياء الصغيرة، وحتى اللحظات العابرة.
لفترة طويلة، ظننت أن هذا جزء طبيعي من النضج، إن الإنسان مع الوقت يصبح أقلّ تعلقًا بالأشياء، أقلّ هشاشة أمام الفقد، وأقلّ ميلًا إلى الحنين.
لكن قبل عدة ليالٍ، قرأت مقالًا يتحدث عن البيوت القديمة، وعن النسخ التي نتركها من أنفسنا داخلها ثم نمضي .. وفجأة فهمت كل شيء .. هناك بدأ الأمر فعلًا.
بدأ مع الانتقال المستمر، مع فكرة أن تترك بيتًا، ثم بيتًا آخر، ثم آخر، حتى يصبح الرحيل عادة أكثر من كونه حدثًا استثنائيًا.
كل منزل عشت فيه كان يحمل حياة كاملة بداخله، ليس مجرد جدران أو أثاث، بل روتينًا يوميًا، وذكريات خفيفة، وتفاصيل بالكاد تُلاحظ، لكنها كانت تشكّلني ببطء.
في أول بيت لنا، كان هناك حائط أضع عليه علامات بالقلم كل عدة أشهر لأقيس طولي، كنت أظن -ببراءة الأطفال- أن تلك العلامات ستبقى هناك إلى الأبد، وأنني سأعود يومًا بعدما أكبر أضع يدي فوقها، وأضحك على حجم الطفلة التي كنت عليها وقتئذ .. لكننا رحلنا.
وأذكر أن فقدان ذلك الحائط آلمني أكثر مما ينبغي، ليس بسبب الحائط نفسه، بل لأنه كان يحمل دليلًا صغيرًا على أن نسخة مني عاشت هناك يومًا ما.
ما زلت أذكر أنا وأختي، ونحن نجلس على سريرينا الصغيرين، نشاهد (أريل) على شاشة كمبيوتر بالكاد تُرى، بينما ننتظر (كيكة) البرتقال التي كانت أمي تعدُّها؛ فتملأ رائحتها البيت في ليالي الشتاء.
كان البيت دافئًا بطريقة يصعب تفسيرها الآن .. دافئًا بالشكل الذي لا يشعر به الإنسان إلا في طفولته.
ثم جاء بيت آخر..
ثم آخر..
ثم آخر.
ومع كل منزل جديد، كانت هناك نسخة جديدة مني، نوافذ مختلفة، أصوات ليل مختلفة، ومشاعر مختلفة أيضًا.
أتذكر ليلة جلست فيها قرب نافذة بيتنا في حي السيدة زينب، ذلك البيت الذي كان يطل يمينه على مسجد أحمد بن طولون، ويساره على قلعة صلاح الدين، كان الوقت بعد منتصف الليل، وكنت أقرأ رواية رومانسية، بينما يتسرّب صوت أم كلثوم من (كشك) قريب في الشارع.
كان الهواء الصيفي يحرّك الستائر ببطء، وكانت النجوم تبدو وقتها جديرة فعلًا بالتأمل.
الكلمات التي كنت أقرأها، الموسيقى التي كنت أسمعها، الهواء على وجهي، ذلك الإحساس الكامل بالحياة .. كلّ ذلك اختفى لاحقًا، كأنه لم يكن.
ومع كل انتقال، كان شيء ما بداخلي ينفصل عن نفسه بهدوء.
في البداية، كنت أحزن على الأماكن كما نحزن على الأشخاص، أشتاق إلى الغرف، إلى طريقة سقوط الضوء على زوايا معينة من البيت، إلى قطتي (صوفي) -التي قررت عائلتي التخلي عنها دون إذني بعدما خربشت يد أختي الصغيرة-، إلى الأصوات المألوفة، وحتى إلى الصمت.
لكن القلب يتعلم التكيّف بطريقة أو بأخرى، أو ربما يتعلم كيف يحمي نفسه.
لأنك حين تفقد عددًا كافيًا من الأماكن التي أحببتها، يصبح التعلّق نفسه شيئًا مؤقتًا، تتوقف عن الإمساك بالأشياء بقوة، لأن جزءًا منك صار يتوقع اختفاءها مسبقًا، وأظن أن هذا بالضبط ما حدث لي.
الآن، حين تنتهي الأشياء، أو يرحل الناس، أو تتغير الأماكن، لا أرتبك كما كنت أفعل قديمًا، ليس لأنني لم أعد أبالي، بل لأن جزءًا مني تعلّم مبكرًا جدًا ألا شيء يبقى فعلًا.
البيوت ترحل..
الناس يتغيرون..
والطفولة تختفي بهدوء لا نشعر به إلا متأخرًا.
ربما علّمتني كثرة الانتقال أن حبّ شيء بعمق لا يعني بالضرورة الاحتفاظ به؛ ولهذا صرت أحب الأشياء برفق .. بحذر خفيف .. وكأن بيني وبينها دائمًا مسافة صغيرة غير مرئية، وأحيانًا أتساءل:
-كم نسخة مني لا تزال جالسة حتى الآن داخل بيوت قديمة لم تعد لنا؟