أجلس كثيرًا أمام الشاشات، صغيرة كانت أم كبيرة، أكتب، وبين الحين والآخر أتجول ما بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم أذهب إلى صفحاتي؛ كي أرى تعليقات الناس وأسئلتهم، وأشعر بسعادة الأطفال، عندما أقرأ مجاملات وكلمات حب تخرج من أناس لا يعرفونني، ولكني أشعر بصدقها.
وهنالك أيضًا هؤلاء:
الذين يكتبون لي كلمتين صغيرتين، لكنهما ليستا خفيفتين:
اتقِ الله! وهم أيضًا صادقون في مشاعرهم، وأتساءل دائمًا: كيف يمكن لإنسان لا يعرفني، ولا يعرف ما مررت به، ولا يعرف الطريق الذي أوصلني إلى هنا، أن يعرف كيف يجب أن تكون علاقتي بالله؟ أو إن كنت أتقيه أم لا؟
نحن مختلفون، هذه هي الحقيقة البسيطة، التي نحتاج إلى تذكير أنفسنا بها طوال الوقت، كل إنسان يأتي إلى هذه الدنيا من مكان مختلف، ويحمل تاريخًا مختلفًا، وأبًا وأمًّا مختلفين، وجرحًا مختلفًا، وقدرة مختلفة على الفهم والتحمل، وكمًا مختلفًا من النور والظلام، ليس لأحد منا على الآخر فضل في الطريق الذي مشيناه، لأن أحدًا منا لم يختر نقطة البداية.
لهذا أتوقف كثيرًا عند فكرة الحكم على الناس، ليس لأننا لا نملك حق التمييز بين الخير والشر، أو لأن كل شيء مباح باسم الاختلاف، لا، هناك أشياء أرفضها تمامًا، وأشياء لا أستطيع مسامحتها بسهولة، وأشياء أرى أن الإنسان يجب أن يتحمل مسئولية أفعاله تجاهها.
لكن المسئولية شيء، واحتلال مكان الله شيء آخر.
كنت أسمع منذ صغري مقولة تتكرر، عندما يرتكب شخص خطأ فادحًا، فلا يرحمه الناس ولا يسامحونه، فيأتي أحدهم، ربما بدافع الرحمة فيقول: ((ما تسامحوه، ده ربنا بيسامح)).
ﻓﺘﺄﺗﻲ اﻹﺟﺎﺑﺔ ﺟﺎھﺰة:
((ده رﺑﻨﺎ ﺑﻘﻰ.. إﺣﻨﺎ ﻣﺶ رﺑﻨﺎ.))
ﻟﻤﺎذا أﺻﺒﺤﺖ ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻧﻨﺎ ﻟﺴﻨﺎ ﷲ ﺳﺒﺒًﺎ ﻟﻨﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ﻣﺤﺎوﻟﺔ اﻟﺘﺸﺒﮫ ﺑﺄﺟﻤﻞ ﺻﻔﺎﺗﮫ؟ أﻟﯿﺲ ھﺬا ھﻮ اﻟﻤﻐﺰى؟ أن ﻧﺤﺎول أن ﻧﺮﺣﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ، أن ﻧﻌﻔﻮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ، أن ﻧﺴﺘﺮ ﺑﺪلًا من أن ﻧﻔﻀﺢ، أن ﻧﻠﯿﻦ ﺑﺪلًا من أن ﻧﻘﺴﻮ، أن ﻧﺘﺮك ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ ﻻﺣﺘﻤﺎل أن اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺬي أﻣﺎﻣﻨﺎ أﻛﺜﺮ ﺗﻌﻘﯿﺪًا ﻣﻦ ﺧﻄأه.
ﻻ أرﯾﺪ أن أﺳﺘﺨﺪم ﺑﺸﺮﯾﺘﻲ ﻛﻌﺬر ﻛﻲ أﻛﻮن أﺳﻮأ ﻧﺴﺨﺔ ﻣﻨﻲ!
ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺮﯾﺪ أن ﻧﺘﻌﺐ أﻧﻔﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﻓﮭﻢ ﺷﺨﺺ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻨﺎ، اﻟﻔﮭﻢ ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ وﻗﺖ وﻣﺠﮭﻮد، ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﺧﯿﺎل، أن ﺗﺘﺨﯿﻞ ﺣﯿﺎة ﻟﻢ ﺗﻌﺸﮭﺎ، وطﻔﻮﻟﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ طﻔﻮﻟﺘﻚ، وﺧﻮﻓًﺎ ﻟﻢ ﺗﻌﺮﻓﮫ، وﺟﺮﺣًﺎ ﻟﻢ ﯾﺼﺒﻚ، ﺗﺤﺘﺎج إلى أن ﺗﻘﻮل: رﺑﻤﺎ ﻟﻮ ﻋﺸﺖ ﺣﯿﺎﺗﮫ، ﻟﻤﺎ ﻛﻨﺖُ اﻟﺬي أﻧﺎ ﻋﻠﯿﮫ اﻵن، وھﺬه ﻟﯿﺴﺖ دﻋﻮة ﻷن ﻧﻘﺒﻞ ﻛﻞ ﺷﻲء، اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻻ ﺗﻌﻨﻲ أن ﻧﻠﻐﻲ اﻟﺤﺪود، وﻻ أن ﻧﺤﻮل اﻟﺨﻄﺄ إﻟﻰ ﺻﻮاب.
وھﻨﺎ أﻋﻮد إﻟﻰ ﺣﯿﻦ طﻠﺒﺖ ﻣﻨﻚ اﻟﺮﺣﻤﺔ، وﻟﻢ ﺗﻤﻨﺤﮭﺎ وﻗﻠﺖ: ((ده رﺑﻨﺎ ﺑﻘﻰ.. أﻧﺎ ﻣﺶ رﺑﻨﺎ.))، ﻓﻠﻨﻤﺾِ ﻣﻊ ھﺬه اﻟﻔﻜﺮة إﻟﻰ ﻧﮭﺎﯾﺘﮭﺎ، أﻧﺖ ﻟﺴﺖ ﷲ، وأﻧﺎ ﻟﺴﺖ ﷲ، وﻻ واﺣﺪ ﻣﻨﺎ ھﻮ ﷲ، إذن، ﻟﻤﺎذا ﺗﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎس؟ ﻟﻤﺎذا ﺗﺤﺎﻛﻤﮭﻢ؟ ﻟﻤﺎذا ﺗﻔﺘﺮض ﻋﻠﻤًﺎ ﻟﯿﺲ ﻋﻨﺪك؟ وﻟﻤﺎذا ﺗﻔﺘﺮض ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻻ ﺗﻤﻠﻜﮭﺎ؟ ﻛﯿﻒ ﻋﺮﻓﺖ؟ ﻣﻦ أﺧﺒﺮك؟
ﻓﺈذا ﻛﻨﺖ ﻟﺴﺖ ﷲ، ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮل، ﻓﺎﻋﺮف ﺣﺪودك، ﻻ ﺗﺴﺘﺨﺪم ﺑﺸﺮﯾﺘﻚ ذرﯾﻌﺔ ﻟﻠﻘﺴﻮة، وﻻ ﺗﺴﺘﺨﺪم ﻧﻘﺼﻚ ذرﯾﻌﺔ ﻟﻌﺪم اﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ، وﺗﻮاﺿﻊ أﻣﺎم ﻣﺎ ﻻ ﺗﻌﺮف، ﻷﻧﻚ ﻻ ﺗﻌﺮف.
ﻻ ﺗﻌﺮف ﻣﺎذا ﻓﻌﻠﺖ اﻟﺤﯿﺎة ﺑﺈﻧﺴﺎن ﻗﺒﻞ أن ﯾﺼﻞ إﻟﯿﻚ، وﻻ ﺗﻌﺮف ﻣﺎ اﻟﺬي ﻓﻌﻠﮫ ﷲ ﻣﻌﮫ ﻓﻲ اﻟﺨﻔﺎء، أﻧﺎ ﻻ أﺗﺨﯿﻞ ﷲ ﻛﻤﺎ ﯾﺘﺨﯿﻠﮫ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس: آﻟﺔ ﺣﺎﺳﺒﺔ ﻛﻮﻧﯿﺔ، ﺗﻀﯿﻒ وﺗﻄﺮح، وﺗﺠﻤﻊ اﻷﺧﻄﺎء ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ واﻟﺤﺴﻨﺎت ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ، ﺛﻢ ﺗﺨﺮج اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ.
أﻧﺎ أؤﻣﻦ ﺑﻌﺪل ﷲ وﺑﻌﻠﻤﮫ اﻟﻜﺎﻣﻞ.
ﯾﻌﺮف ﻣﻦ وُﻟﺪ وﻓﻲ ﯾﺪه ﻛﻞ ﺷﻲء، وﻣﻦ وُﻟﺪ وھﻮ ﯾﺤﺎول ﻓﻘﻂ أن ﯾﻨﺠﻮ، ﯾﻌﺮف ﻣﻦ ﺗﺮﺑﻰ ﻓﻲ ﺑﯿﺖ آﻣﻦ، وﻣﻦ ﺗﺮﺑﻰ وھﻮ ﯾﺘﻌﻠﻢ اﻟﺨﻮف، ﯾﻌﺮف ﻣﻦ أُﻋﻄﻲ اﻟﺼﺤﺔ واﻟﻤﺎل واﻟﻔﺮص واﻟﺤﺐ، وﻣﻦ ﺣُﺮم منها، ﯾﻌﺮف ﻣﻦ اﺳﺘﻄﺎع، وﻣﻦ ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ، ﯾﻌﺮف ﻣﺎ ﻋﺮﻓﻨﺎه، وﻣﺎ ﺟﮭﻠﻨﺎه، وﯾﻌﺮف ﻣﺎ ﻟﻢ ﯾﻌﺮﻓﮫ أﺣﺪ ﻋﻨﺎ.
اﻟﺴﺆال ﻓﻲ ﺟﻮھﺮه ﺳﯿﻜﻮن أﻋﻤﻖ ﺑﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﻣﻼﺑﺴﻨﺎ، وأﺷﻜﺎﻟﻨﺎ، وﻣﺎ اﺗﻔﻘﻨﺎ ﻋﻠﯿﮫ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿًﺎ، رﺑﻤﺎ ﺳﯿﻜﻮن اﻟﺴﺆال ﺑﺒﺴﺎطﺔ:
ﻣﺎذا ﻓﻌﻠﺖ ﺑﻤﺎ أﻋﻄﯿﺖ؟
ھﻞ ﺣﺎوﻟﺖ؟ ھﻞ ﺑﻨﯿﺖ؟ ھﻞ أﺻﻠﺤﺖ؟ ھﻞ رﺣﻤﺖ؟ ھﻞ ﻋﺪﻟﺖ؟ ھﻞ أﺣﺴﻨﺖ؟ ھﻞ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻘﺔ راﺣﺘﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﯿﻚ أن ﺗﺨﺮج؟
ھﻞ ﺣﺎوﻟﺖ أن ﺗﺼﺒﺢ أﻓﻀﻞ ﻣﻤﺎ ﻛﻨﺖ؟ ھﻞ ﺣﻔﻈﺖ ﻗﻠﺒﻚ ﻣﻦ اﻟﻘﺴﻮة؟
ھﻞ أﺣﺒﺒﺖ؟
ھﺬه اﻷﺳﺌﻠﺔ ﺗﺨﯿﻔﻨﻲ أﻛﺜﺮ ﺑﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ أﺣﻜﺎم اﻟﻨﺎس، ﻷﻧﻨﻲ أﻋﺮف أﻧﻨﻲ ﺳﺄﻗﻒ أﻣﺎم ﷲ ﯾﻮﻣًﺎ ﻣﺎ، وﻟﻦ ﯾﻜﻮن ﻣﻌﻲ أﺣﺪ، ﻟﻦ ﯾﻜﻮن ھﻨﺎك ﺟﻤﮭﻮر، وﻻ ﺗﻌﻠﯿﻘﺎت، وﻻ أﻏﻠﺒﯿﺔ، وﻻ أﻗﻠﯿﺔ، ﻟﻦ ﯾﻜﻮن ھﻨﺎك ﻣﻦ ﯾﺪاﻓﻊ وﻣﻦ ﯾﮭﺎﺟﻢ، ﺳﯿﻜﻮن ھﻨﺎك أﻧﺎ وھﻮ؛ ﻓﯿﻄﻤﺌﻦ ﻗﻠﺒﻲ، ﺣﯿﻦ أﻗﻒ أﻣﺎﻣﮫ ﻟﻦ أﺣﺘﺎج إلى أن أﺷﺮح ﻟﮫ ﻣﻦ أﻧﺎ، ﻟﻦ أﺣﺘﺎج إلى أن أﺛﺒﺖ ﻟﮫ أﻧﻨﻲ ﻛﻨﺖ أﺑﺤﺚ ﻋﻨﮫ، أو أﻧﻨﻲ أﺣﺒﺒﺘﮫ، أو أﻧﻨﻲ أﺧﻄﺄت وأﻧﺎ أﻋﺮف أﻧﻨﻲ أﺧﻄﺊ، أو أﻧﻨﻲ ﺣﺎوﻟﺖ أن أﻋﻮد، ﻓﮭﻮ ﯾﻌﺮف.
ﻓﯿﺎ اﺑﻦ آدم وﯾﺎ اﺑﻨﺘﮫ: اﺗﺮﻛﻮا لله ﻣﺎ ھﻮ لله.
