لن تهزمني أبدًا.. فأنا الأخت الكبرى

ريم جميل تكتب

لن تهزمني أبدًا.. فأنا الأخت الكبرى

أستلقي على أريكتي، أحدق في ذلك الكرسي المكدس بالطبقات في زاوية غرفة المعيشة، تكسوه ملابس خُلعت على عجل، أو تُركت بدافع الكسل، وأفكر، لو اختفى هذا الكرسي فجأة، هل سيضطر الجميع إلى حمل أشيائهم بأنفسهم؟ هل سيرتب كل شخص فوضاه وحده؟


لكن ما دام ذلك الكرسي التعيس راسخًا، سيظل الجميع يلقون عليه ما يثقلهم من طبقات خانقة، ثم يرحلون خفافًا بلا أعباء، يجهدني سماع ندائه المكتوم، أسمع من خلاله نسختي القديمة المكبوتة، وهذا التشابه يصيب أذني بالحرقة.

 

منذ طفولتي، تعلمت باكرًا أن هناك دائمًا شخصًا يحتاج إلى رعاية واهتمام أكثر مني، ولا بد من تلبية ندائه أولًا، لأنني الكبيرة العاقلة كما يقولون، التي يعتمد عليها كما يفتخرون، والأخت الكبرى لثلاثة أبناء ذوي احتياجات ملحة، طوال مرحلتي طفولتي ومراهقتي تعلمت أن أؤجل نفسي تلقائيًا، وكأن احتياجاتي (دلع)، كما أرادوا دائمًا أن أصدق.

 

والأخت الكبرى لا تربى كطفلة عادية، بل كمشروع إنقاذ متنقل عبر مراحل العمر.

ومع الوقت، يتحول الأمر إلى صفات شخصية بارزة، يراها الجميع بوضوح، ففي العمل، كنت الشخص الذي يُستدعى عند الكوارث، لأن الجميع يراهنون أنه سيجد حلًا مبدعًا، وإذا أخفق أحد، سرعت بإصلاح ما أفسده، فهذا دوري، وفي العلاقات، إذا تهرب الطرف الآخر من مسئوليته، حملتها تلقائيًا، والأسوأ أنني كنت فخورة بذلك، فخورة جدًا، فخورة بأنني المرأة التي تخلق الحلول ليرتاح الجميع.

أعترف أنني استفدت من تلك الصفات كثيرًا أيضًا، بسبب سمعتي في تحمل المسئوليات ومجهودي الذي يعرفه الكثير في المجال الإبداعي، وعرض المسئوليات علي في سن صغيرة كرئيسة تحرير في مؤسسة إعلامية مرموقة، يحكمها رجال كبار ذوو هيبة وخبرة، لديهم توقعات هائلة مني، وهذه الخطوة كانت مرحلة فارقة في مستقبلي، ولكن أصبحت أمًا، تقوم بدورين في ذات الوقت، جاهدة لخلق توازن وهمي، لتصبح صورة (ناجحة) في عين كل من حولها.

 ومن هنا، تفاجأت أن تجربة الأمومة لم تكن جديدة تمامًا بالنسبة لي، بل كانت نسخة تشبه دورًا قديمًا مألوفًا في مرحلة ما، فالطفلة الأم تبدأ من جديد، وبدأت رحلتي مع الاحتراق النفسي والجسدي في البيت والعمل، كأن كل النسخ القديمة مني قررت أن تطالب بحقها في الراحة دفعة واحدة، والغريب، أنه لم يشعر أحد بذلك، فالكل يراني الموظفة العبقرية والأم المثالية.

كيف أخفيت ذلك؟ ربما لأنني لم أتذمر، ولم أشكُ، أو لم أقل إنني لم أعد أستطيع افتعال السيطرة على الحريق.

ولكن لماذا لم يروا الدخان؟ ربما لأنهم يؤمنون بأنني سأسيطر عليه لاحقًا…

أخذت وقتًا طويلًا أحاول فهم لماذا تبدو جملة (لا أستطيع) مستحيلة بالنسبة لي؟ فأنا حقًا لا أستطيع، لا أستطيع أن أبدو بخير دائمًا؛ حتى لا يتوتر المشهد من حولي، لم أعد أستطيع أن أحمل ما تطوعت لحمله كي أخفف على الجميع أعباء رحلتهم في الحياة.

فهمت أنني لم أتعلم يومًا أن الرفض من حقي، وتعلمت فقط أن الحب يعني التحمل، وأن الإنسان (البارع) هو الذي يتحمل أكثر من الجميع.

اكتشفت أن الإنسان الذي لا يطلب المساعدة دائمًا، ليس قويًا بالضرورة، إنه يخشى نتيجة الضعف، أو ربما لأنه لم يتعلم أصلًا أن الانهيار من حقه، وكان دائمًا الخزي الأكبر بالنسبة له هو أن يطلب القليل من الراحة.

فشل وفضيحة!

المضحك أنني تعلمت مفهوم (متلازمة الأخت الكبرى) من فتيات العشرينات على تيك توك، هذا الجيل يتحدث للعالم من غرفة نومه بملابس مريحة وبسيطة بكل صراحة ووضوح، ورأيت أن هناك العشرات مثلي، معنى ذلك أنني لست مميزة؟ ما هذا العبث! هناك فتيات يشعرن بما أشعر، لكن الفرق أنهن يفهمن أنفسهن ويعملن على شفائها مبكرًا، يتحدثن مع (طفلهن الداخلي)، ويتولن رعايته برفق حتى ينضج، ما هذا الكوكب؟

والمذهل، يقولون إن لكل وجع سببًا، ولكل أزمة علاجًا!

أتصدقون؟

 نحن بنات الجيل الأكبر، لم نعرف حتى لغة نتحدث بها عن ألمنا، كنا نعتصر طوال اليوم، ونتقلب آخر الليل في أرق متقطع، ونسأل: لماذا نشعر بكل هذا الإرهاق؟ كنا نسهر بالأيام، ونجتهد، ونتفوق، ونسافر، ونغامر بفضول، ونعشق بحرارة، وننكسر، ونندهش، ثم نسأل: ما هذا الحظ القليل؟

كنت جالسة مؤخرًا مع ابنتي الكبرى في الطائرة، وسألتني: كيف يمكن أن تقول المضيفة إن في حالة حدوث أمر طارئ يجب مساعدة نفسك أولًا، ثم بعد ذلك تساعد الآخرين؟ كيف يمكن أن أساعد نفسي أولًا وأنا الكبيرة والمسئولة عنها؟

حقًا كيف؟

لكن، وللمرة الأولى، فهمت لماذا تبدو تعليمات الطوارئ منطقية إلى هذا الحد الإنساني المخجل، فكيميائيًا وفيزيائيًا ونفسيًا، لن يستطيع الإنسان إنقاذ من يحب، إذا لم ينقذ نفسه أولًا.

وعاهدت نفسي، سأعلِّم ابنتي الكبرى أن تنقذ نفسها أولًا.

اليوم، أشعل سيجارتي من الحريق المندلع أمامي، أستمتع بها في هدوء، وتلمع عيناي في بريق النيران الثائرة، حتى يأتي فريق المطافئ لتلبية واجبه، لقد أيقنت، وتعلمت أن تهدئة الحرائق ليس دوري، ربما دوري الذي أجيده هو أن أحكي عنها فقط، أيقنت أيضًا أن المرأة التي تحترق بالكامل كي تمنح الدفء للجميع، لن يتبقى منها شيء إلا رمادها.

قد أبدو لك الآن عزيزي القارئ أنني أكثر هدوءًا، أو أكثر ميلًا للراحة والشغف والحياة، لكن لا تنخدع، هذا لا يعني أبدًا أنني استسلمت لهذه الحياة بثمالة وشجن، لا، أنا في ذروة صحوتي وإفاقتي، أراقب كل شيء، ولكن بهدوء أصبحتُ أكثر نضجًا من الضجيج، أنا فقط لم أعد أخاف من الفوضى، لأنني ببساطة نشأت داخلها، ولا أنتظر قدوم الأزمات متربصة، فمنذ طفولتي أتقن إيجاد الحلول في آخر لحظة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.


أصبحت أحتفي براحتي ووقتي وطاقتي، ما زلت لا أبخل على العالم بها، ولكن لن أبعثرها باستهتار، ثم أبكي عليها لاحقًا.

هذه الأيام أفني نفسي، أعمل ما أحب، ولا أطمح للمثالية، ولا أحاول الوصول إليها، أريد أن أكون فقط كاتبة تحكي ما تشعر، وأريد أن أكون إما سعيدة يتذكر أبناؤها شغفها وسعادتها أكثر من إرهاقها وتعبها، يتذكرون كيف كانت تعيش أكثر مما يتذكرون كيف كانت تتعايش.

وأؤمن جيدًا أنه إذا وضعتني الحياة في أي معركة، سأعرف كيف أربحها في النهاية، ليس لأنني خارقة أو متعالية (يا ريت)، بل لأنني تدربت طويلًا على النجاة؛ وربما لهذا السبب تحديدًا لن تهزمني الحياة أبدًا، فأنا الأخت الكبرى.

احصل على محتوى جديد كل أسبوع وتحديثات حصرية

اشتراكك في عالم هلبينج

سيتيح لك كامل المحتوى الحصري الأسبوعي من:

Service Iconمقال أسبوعي
Service Iconحلقة بودكاست
Service Iconحوارات مترجمة
Service Iconعالم غريب
Service Iconصفحة من كتاب
Service Iconتدريب كتابة

جاري التحميل...

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى