تجميل لا يظهر في صورة

أميرة الجمل تكتب

تجميل لا يظهر في صورة

وبعد أن بلغت أربعيني وكما تمنيت رشدي

وبعد أن لملمت شتات أن يتقبلني العالم.. لأنني أدركت فراغ هذه الرغبة وخلوها من أي إنجاز حقيقي، وجدتني ما زلت نفس البنت الصغيرة في كثير من المشاعر، الفارق الوحيد الآن هو أنني لا أدع تلك المشاعر تتمكن مني مثلما استطاعت من قبل.
كل ما كان يبكيني يمر أمامي الآن مع إدراكي الكامل، ومع رفضي التشابك معه، فمعظمه كان قد تمت برمجتي لتقبله بالبكاء، الشحاذ الأشعث لم يعد يمزق قلبي، بل ذاك الموظف المهندم الذي يسعى لتوفير حياة أفضل لأولاده من خلال عمله في ورديتين.
لا يبهرني الغني اللامع.. لكن يستوقفني ليعلمني الكثير ذلك الطيب السهل الحنون..
لا تبهرني من مظاهر القوة غير قوة العفو عند المقدرة.
وأصبحت أشد تعلقًا بمتدينين، لا تظهر عليهم أي علامات التدين.
أصبحت لا أهتم بتغيير الكون، ولا تضايقني عيوب الناس؛ لأنني أدركت أن حتى المؤذي منهم له دوره في رحلتي، حتى إن لم أستطع عليه الآن صبرًا.
لا أهتم بكوني على حق، فرأي الناس في أثبت عدم قدرته على دفع إيجاري، لم أساوم عمري بائعة الفاكهة، ولكنني اليوم أستمتع بسرد كذبها وادعائها الخطأ في الحساب من أجل بضعة جنيهات.. ألفت نظرها لعلمي، وأعطيها ما حلمت به من هذا الزبون وذلك.

في الأربعينات تتلاشى الحاجة إلى إثبات براءتك.. نعم، أنت الذي تنصح الناس جهرًا بما يمليه عليك قلبك وإيمانك، ولكنك لا تشعر بأي غصة من التمادي بتمتعك بالدنيا أيضًا.. لا يجرحك أن يراك العالم تكيل بمكيالين، فقد أثبتت الأيام أن الفائزين هم من استطاعوا أن يتصالحوا مع أظلم أركان روحهم، لا أن يخفوها وينكروا وجودها.

يُحبس صوتي كثيرًا لمنع دموعي من الهطول، لمواقف يراني البعض أقوى منها.. ببساطة لأنني أثبتُّ قوتي في مواقف أشد قسوة.. فكيف أفسر ما يتذكره قلبي من قسوة سابقة في موقف مشابه، لم أنج منه.

أتقنت المجاملات لسعادتي بتأثيرها على متلقيها، وتمكنت تمكنًا باهرًا من منع نفسي من نفاق أي شخص، حتى لو كانت حياتي على المحك.

أتعجب لتجاعيدي، ولتغيرات في جسدي لم أشعر بها تتمكن مني.. فأنا شابة! أليست الأربعينات هي العشرينات الجديدة؟ لماذا ينصحونني بهرمونات بديلة؟ ماذا تغيّر في لينصحوني؟ هل ظهر علي أن القديمة قد بدأت بالتخلي عني؟

أتعجب لتغيّر شكلي وطاقتي، ولكن لا أرفضهما، فأنا أعلم أننا نعطي قوة لما نكره ونمكنّه منّا.. أتصالح مع كل أنواع ضعفي الجديدة في كل يوم أكثر.. بل أرى فيها من القوة ما تجعلني أكثر قدرة على التعايش في عالم كان يبدو أسهل من سنين ليست بعيدة.

أصالح من اغتابني.. أصالح من أذاني.. وأتمادى في محاولات التصالح مع من أذيت.. نعم، فقد كنت أنا الطرف الأقسى في مواقف عدة.. وكان اعترافي بهذا النوع من الضعف الأصعب دائمًا.. تصالحت مع جوانبي التي لم أرضَ عنها.. بل وأحببتها..
فهي اليوم جزء مني لا أنكره، ولا أفخر به، ولكنها جزء مني.
ضعفت ركبتي.. ورق قلبي.. وسالت دموعي أكثر.. ولكن لا يشغلني الآن ما يأخذه مني التقدم بالعمر، بل يشغلني ما يقدمه إلي.

ولكن القوة التي تمنحها لك الحياة بعد اكتسابك كل ما كنت تحسبه ضعفًا.. هذا المنظور وراحة تطبيقه على حياتك، هما كل الإضافات التي تجمّل صورتنا الآن..
تجميل لا يظهر في صورة (قبل وبعد) كباقي أنواع التجميل.. فأنت جمهورك الوحيد فيه.

احصل على محتوى جديد كل أسبوع وتحديثات حصرية

اشتراكك في عالم هلبينج

سيتيح لك كامل المحتوى الحصري الأسبوعي من:

Service Iconمقال أسبوعي
Service Iconحلقة بودكاست
Service Iconحوارات مترجمة
Service Iconعالم غريب
Service Iconصفحة من كتاب
Service Iconتدريب كتابة

جاري التحميل...

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى