دائمًا ما كنت أسمع من حولي من العائلة، يتهامسون فيما بينهم عن حساسية مشاعري المفرطة وتعلقي الشديد بالأماكن والأشخاص داعين لي بالنجاة في هذا العالم، كأن هذه الصفات علة أو خلل بي، لذلك كبرت على أن رقة قلبي ما هي إلا نقطة ضعف عليّ التخلص منها؛ حتى أستطيع العيش في هذا العالم.
لم يشفع لي تفوقي في المدرسة وكوني من الأوائل كل عام، ولا حتى التزامي في التمرين والرياضة، دائمًا ما كان هناك ((للأسف)) تُقال عند وصفي.
-شاطرة أوي ومؤدبة بس للأسف حساسة.
-... بس للأسف ساكتة طول الوقت.
-... بس للأسف خجولة.
لماذا ((للأسف)) تسبق هذه الصفات؟ هل الخجل شيء نأسف لأجله؟
لا أنكر أنني كنت طفلة (ساكتة)، أتكلم فقط مع أشخاص قليلين معينين، أتجنب عيون الناس، وأخشى أن تتم ملاحظتي؛ لذلك دائمًا ما أختبئ خلف أمي كخيالٍ لها لا يفارقها، وبالنسبة إلي التعامل مع الناس كان بمثابة عقاب خوفًا من التعليقات والمقارنات والتصنيفات التي لا تنتهي.
-شبه مامتك أوي، بس مامتك كانت أجرأ منك.
-إزاي ساكتة كده ده أخوكِ مبيبطلش كلام؟
لازمت الصمت، وابتلعت آرائي أوقاتٍ كثيرة تجنبًا لأصابع الاتهام، التي تُوجه إليّ فقط لمخالفتي توقعاتهم، أو لكون اهتماماتي بعيدة عن اهتماماتهم، أو لأنني لم أرث كل الجينات والصفات كما تمنوا، لماذا تحاسبونني أنا حاسبوا الكروموسوم بدلًا مني؟
حاولت أن أخلق لنفسي عالمًا خاصًا بعيدًا عن حياتهم العملية، التي لا يهمها المشاعر، ولا يرق قلبها لما يحدث للأشخاص من حولهم، عاهدت نفسي ألا أقول ما لا أشعر به، وألا أتفوه إلا بما أؤمن به، حتى إذا كان عكس السائد، لن أتكلم لأثبت شيئًا ما للآخرين، سأتكلم فقط حين أريد ذلك، ربما لا أقول كل الحقيقة، ولكن حين أتكلم لا أقول سوى الحقيقة، وهكذا مرت الأيام والسنون.
سألني مديري العزيز عن أداء ولد في فريق العمل، فأجبته قائلة: ((شغال كويس))، ليقاطعني هو ويسأل:
-بتقيسيه على مسطرة مين؟ وبالنسبة لمين؟ بالنسبة لأرقامه قبل كده ولا أرقام الفريق كله ولا بالنسبة للنهارده بس؟
بالتأكيد لم يعلم مديري أن سؤاله لم يكن مجرد سؤال عابر بالنسبة إلي، وأنه قد أجاب لي عن أسئلة كثيرة أرقت سنين طفولتي، لم يعلم أن سؤاله هذا كان لينهي عبئًا كبيرًا على طفلة، تشعر باللوم على حقيقتها، تشعر بثقل فقط لأن مشاعرها كثيرة على العالم، تشعر بالخجل من لين قلبها ودمعتها القريبة، طفلة تحاول التظاهر بالتبلد، فتفشل، تحاول إخفاء ما تشعر به، فلا يساعدها قلبها، طفلة تحبس الكلمات داخلها، ولا تُظهرها إلا للورق.
لماذا لم يخبرني أحدٌ أن حساسيتي وصمتي سيدفعانني للكتابة والإبداع؟ لماذا لم يخبرني أحدٌ أن لين قلبي سيجعل الغرباء يرتاحون في التحدث معي عن آلامهم؟ وأن تفهمي لمشاعر الناس سيجعل مديري يطلب مني العمل في الشركة بدلًا من المنزل، لأن وجودي يفيد الفريق، ويؤثر عليهم بالإيجاب، لدرجة أنهم أطلقوا عليّ لقب (therapist الشركة).
اتضح أن التفهم الذي أقدمه لمن حولي ما هو إلا محاولة لأسمع فيها صوتي، الذي لم يكن مُرحبًا به، اتضح أن الصفات التي حاولت إصلاحها على مدار السنين، لم تكن تحتاج إلى إصلاح، كنت فقط أحتاج إلى أن أقيسها على مسطرتي أنا لا مسطرة الآخرين.
نعم، لست جريئة مثل أمي، ولا متحدثة لبقة مثل أخي (الذي اتضح أن هذه الصفة ما تميزه في عمله)، ولست فاشلة في الحساب مثل ابن خالتي، ولا أهتم بالطب مثل ابن عمتي، الذي أصبح طبيبًا.
لا أحب أن يتم تصنيفي على أساس شيء واحد أو صفة معينة، أو أن يتم الحكم علي بناءً على موقف واحد.
لست شيئًا واحدًا.
لست صفة واحدة.
أنا الضحك والغضب والرحمة والهدوء.
أنا الصوت العالي.
أنا الشجاعة والخجل والصدق والصمت.
أنا الحلم والواقع.
ولا أشعر بالذنب حيال ذلك.
