في التسعينات وفي مكتب صغير في منطقة بين السرايات بالقرب من جامعة القاهرة، كنت أجلس بجوار رجل أربعيني يرتدي نظارة، ويضع الأوراق على حاملة أوراق بجوار شاشة الكمبيوتر، التي يغطيها حامي شاشة أسود، لونه يشبه النظارات الشمسية، مرفوعًا على ظهر الشاشة، حيث يبدو أن الرجل قد ضاق خلقًا، وأراد أن يقوم بالتركيز أكثر، كانت أمي تجلس على بُعد خطوات على يساري حاملة الأوراق الفلوسكاب التي كتبت فيها رسالة الدكتوراه، تلك الأوراق التي قامت بتصويرها، وأعطت نسخة للمكتب لكتابتها على الكمبيوتر.
كانت أمي تذهب إلى المكتب لمتابعة الكتابة، ولكي تقوم بتصحيح الأخطاء الكتابية، حيث لم تكن هناك وقتها أدوات للتصحيح مثل اليوم، أو لكي تقوم بقراءة كلمات غير واضحة، لكي يتمكن الرجل الذي يكتب على لوحة المفاتيح بسرعة أبهرتني من استكمال كتابة الرسالة.
كان حجم خط الكتابة محدد سلفًا، وكان إجباريًا من المكتب وكل المكاتب، حيث يقومون بحساب الزبون بالصفحة، وبالتالي لم يكن هناك خيار للتسنيق إلا في النهاية بعد الانتهاء، وبعد معرفة الحساب طبقًا لعدد الأوراق المكتوبة بالخط المحدد سلفًا من المكتب، والذي كان خطًا كبيرًا نسبيًا بالمناسبة.
بعد العديد من الزيارات، وبعد سهر ليالٍ طويلة، وتعب وإصابة أمي بالسكري من الضغط النفسي أثناء تحضيرها للرسالة، وبعد عشرات الأرانب التي كانت أمي تختبرها وتذاكر عليها في آخر دور في بيتنا، والذي كان شقة بها بعض الكراسي وحمام ومطبخ، أنهت أمي الرسالة، وحصلت أخيرًا على درجة الدكتوراه.
الرسالة المطبوعة، والتي كانت بمثابة نسختها الأساسية، كانت موجودة معها، حيث قامت بطباعة العديد من النسخ التي وزعتها أثناء مناقشة الرسالة، والنسخة التي يتم إيداعها في مكتبة جامعة الزقازيق، هذه الرسالة لم تكن أمي لديها نسخة رقمية منها، حيث إن المكتب يقدم المنتج النهائي في صورة أوراق مطبوعة، مع الاحتفاظ بالنسخة لمدة في حال رغب الزبون في عمل أي تعديلات، ولم يكن الحفاظ على الرسالة في صورة رقمية شيئًا مهمًا أو معروفًا.
تمر السنوات، وتوفيت أمي في خريف 2017، وعند تفقدي للأشياء التي تركتها، لأجد فيها ريحها، وجدت الرسالة مجددًا، ورأيت اسمي مكتوبًا مع إخوتي في صفحة الإهداء في البداية، ومع نزول الدموع من عيني، قررت أن أقوم بتحويل هذه النسخة إلى نسخة رقمية؛ لكي يستفيد منها أي شخص، وخصوصًا طلبة كلية الطب والمتخصصين، لكي يكون علمًا يُنتفع به.
في البداية حاولت تحويل الرسالة إلى النص عن طريق برامج التعرف الضوئي على الأحرف OCR، ولم تكن بالطبع بنفس التطور المدعوم بالذكاء الاصطناعي اليوم، ولكنني فشلت، وكان عمل مسح ضوئي Scan لكل الرسالة على الماسحة الضوئية التي لدينا في المنزل سيأخذ أسابيع.
قررت الدخول على موقع للخدمات الحرة Freelance، وسألت عن تكلفة تحويل الرسالة إلى نسخة رقمية عن طريق شخص لديه خلفية طبية أو علمية على الأقل، وجاءتني العديد من العروض، اخترت منها عرضًا من طالب فلسطيني بكلية الطب بجامعة الإسكندرانية، كان يدرس ويقوم بالكتابة؛ لكي يساعد نفسه في مصاريف الجامعة، وبدلًا من إرسال النسخة المطبوعة له، وجدت أن تكلفة عمل مسح ضوئي للرسالة في أحد مكاتب خدمات الطباعة، والذي سيقوم بمسح الرسالة، وتحويلها إلى صور بشكل سريع، سيكون أقل تكلفة من الذهاب إلى الإسكندرية لمقابلة الشاب.
قام الشاب بتحويل النسخة المصورة إلى نسخة رقمية نصية بشكل مبهر وبتنسيق مطابق للتنسيق الأصلي، الذي ربما كان قد عفا عليه الزمن من ناحية الأشكال والخطوط في الصفحات الأولى من الرسالة، حيث ظهرت بعدها بالتأكيد العديد من الأشكال والأنماط، ولكنني كنت سعيدًا بمطابقة الرسالة بالنسخة الأصلية.
قمت بأخذ النسخة الرقمية، ورفعتها على الإنترنت على موقع مشهور لعرض المستندات، مع اختيار أن هذه نسخة مجانية بعد وضع العديد من الكلمات المفتاحية المناسبة للرسالة، والتي قد تسهل لأي شخص يقوم بالبحث عبر محركات البحث مثل جوجل وغيرها للوصول إلى الرسالة.
بالأمس جاءتني فكرة، لماذا لا أقوم برفع الرسالة على كل أدوات الذكاء الاصطناعي الشهيرة؛ لكي تكون واحدة من المصادر التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي في تقديم إجابات، وتكون هذه صدقة جارية لأمي باعتبارها علم نافع؟ حتى لو كان تأثيره بنسبة بسيطة، حيث إن أدوات الذكاء الاصطناعي لديها بالفعل ملايين من الأبحاث والرسائل والمعلومات، والتي ربما حصلت عليها بطرق غير قانونية، لكي يتم تدريب هذه الأدوات لكي تقوم بإعطائك في النهاية إجابة عن سؤالك.
وبالفعل بدأت اليوم برفع الرسالة على أدوات الذكاء الاصطناعي، وبدأت بـNotebook LM من جوجل، وطلبت منه تلخيص محتوى الرسالة مرة بالعامية المصرية في بودكاست موجه للعامة، ومرة في صورة فيديو تعليمي بالإنجليزية موجه للعامة أيضًا، حيث إنني غير متخصص، ولا يمكن أن أقوم بالتحقق ومراجعة المحتوى الطبي، وغرضي من هذا أن يقوم بقراءة الرسالة بشكل كامل، وبالتأكيد السطو عليها، وضمها إلى مكتبة المصادر التي لديه، وهذا هو المطلوب.
أتخيل الآن كيف انتقل العلم المكتوب بالخط الجاف على ورق فلوسكاب كتبته أمي، وأخذ منها صحتها، وجاءها المرض الذي كان جزءًا من بحث رسالتها، التي كانت بعنوان ((دراسة عن استجابة مستقبلات الهيستامين في القلب والأوعية الدموية مع الإصابة بالسكري المُحدَث معمليًا))، رحلة مرت بأجساد الأرانب وشوارع بين السرايات وأنامل طالب بكلية الطب، لتستقر في النهاية في مراكز البيانات الضخمة الموزعة في عدة قارات على أمل أن تكون علمًا يُنتفع به.