مجموعة من الأحزان لم أعرفها من قبل

بسنت دينار تكتب

مجموعة من الأحزان لم أعرفها من قبل

لفترة طويلة كنت أعتقد أن شعور الحداد مرتبط بالموت، أن تفتقد شخصًا تحبه، ويصبح هناك قبل وبعد، يعرف من حولك أنكِ حزينة، يطمئنون عليكِ، يتركون لكِ مساحتك، وإن لم يجدوا ما يقولونه يكررون الجمل المحفوظة، حتى إن لم يستطيعوا فهم حقيقة شعورك، ما زلت غير مضطرة إلى أن تبرري حزنك، لأن الخسارة واضحة ومفهومة، لا يحتاج أحدهم إلى أن يسألك: ما هو سبب حزنك؟ مع الوقت علمتني الحياة أن هناك أنواعًا عديدة من الحزن، لكننا لا نطلق عليها اسم الحزن، ومن الممكن أن نقضي شهورًا وسنوات، نحاول فيها تخطي شيئًا من دون أن ندرك أننا فقط نحاول أن نحزن عليه.

حزنت على صداقات انتهت، وحزنت على أشخاص أحياء، لكن علاقتنا لم تعد قائمة، حزنت على نسخة قديمة مني، وعلى جسم كان يقوم بفعل كل شيء بسهولة، لكنني لم أكن أدرك أنها نعمة تستحق الامتنان، وعلى خطط كنت متأكدة أنها ستحدث، وعلى حياة كاملة كنت أتخيلها لنفسي، ثم اكتشفت أن الحياة كعادتها لديها خطط أخرى.

من الغريب أنني في معظم المرات، لم أقل لنفسي: ((أنا حزينة))، كنت أقول: لماذا لا أستطيع التخطي؟ لماذا ما زلت أفكر في الأمر؟ لماذا ما زلت أفتقد ذلك الشخص مع أن وجوده غير مناسب في حياتي؟ لماذا تشعرني تلك الصورة بالألم؟ لماذا أشعر بالحزن تجاه قراري؟ ولماذا هناك أشياء من المفترض أنني أفضل من دونها، لكنها ما زالت تحرك شيئًا ما بداخلي من وقت لآخر؟

من أغرب أنواع الحزن بالنسبة إلي هو أن تحزن على شخص لم يمت، لأن العقل يتوقف عند تلك الفكرة، ولا يفهمها بسهولة، كيف من الممكن أن أحزن على أشخاص موجودين بالفعل؟ كيف أحزن على أشخاص وعلاقات وما زلت أحتفظ بأرقامهم وهم على بعد مكالمة واحدة؟ لكن في الحقيقة الشخص الذي تفتقده ليس موجودًا، حتى وإن كان ذلك الشخص ما زال موجودًا.

فى الأغلب نحن نحزن على النسخة التي كنا نعرفها، على علاقتنا قبل أن تُكسر، على الطريقة التي كنا نتحدث بها، على النكات الخاصة بنا، على إحساس معين بالأمان اختفى، أو على شخص كان في يوم من الأيام هو أول شخص تريد أن تحكي له كل شيء، ثم أصبح من الممكن أن يمر عليه حدث كبير في حياته، وأنت لا تعلم عنه شيئًا.

هذا النوع من الحزن محير، لأنه ليست هناك إجابة واضحة، دائمًا هناك ممكن (ممكن أكلمهم، ممكن نرجع، ممكن أن يتم إصلاح الأمور)، من الممكن أن يعود كل شيء كما كان، في بعض الأحيان (ممكن) تكون أثقل من النهايات، لأنها لا تعلمنا فقط استمرار الحياة من دون هذا الشخص، لكنها تعلمنا أيضًا التعايش مع فكرة وجود هذا الشخص، لكن الحاجة إلى تعاملنا غير موجودة.

هذا أول ما أفهمني أن الاشتياق ليس دعوة للرجوع، أحيانًا يكون الاشيتاق بمثابة اعتراف أن ذلك الشيء كان مهمًا بالنسبة إليك، وأن بانتهائه ترك فراغًا، حتى لو كنا متأكدين من أن تلك النهاية هي القرار الصحيح.

وهناك نوع آخر من الحزن، لم يحضرني أحد له، وهو الحزن على جسمي، أنا لا أتحدث عن شكل الجسم بقدر ما أتحدث عن تلك التفاصيل الصغيرة جدًا، التي لم أكن أدرك أهميتها، حتى أصبح وجودها غير مضمون، وأن هناك علاقة مختلفة تمامًا مع الجسم تظهر عند الصراع مع المرض، خصوصًا إن كان مرضًا مزمنًا، وهناك احتمالية أن يشاركنا جزءًا كبيرًا من حياتنا، أو من الممكن كل حياتنا، لم أكن أدرك أن الطاقة شيء من الممكن أن ينتهي، وأن الجسم الذي نستيقظ بداخله كل يوم من الممكن أن يكون متدخلًا في كل قراراتنا، هناك نوع غريب جدًا من الحزن، يظهر عندما يتوقف الجسم عن دوره كبيت تسكن فيه من دون تفكير، ويصبح طرفًا تحتاج إلى التفاوض معه في كل تفاصيل يومك.

أعتقد أنني قضيت وقتًا طويلًا حزينة من جسمي، قبل أن أفهم أني في الحقيقة كنت حزينة عليه، والفرق بين الاثنين كان كبيرًا جدًا بالنسبة إلي، عندما أنظر إلى تلك الفتاة في صوري القديمة، لا أفكر في أنني أريد أن أعود إلى هذا الشكل، أحيانًا أنظر إليها، وأفكر: ((كم هي محظوظة بعدم معرفتها بما هو قادم!)).

لكن في الوقت نفسه، لا أريد أن أقضي بقية حياتي، وأنا أنظر إلى جسدي الحالي باعتباره النسخة التي جاءت بعد الخسارة، فهذا جسدي الآن، وقد جعلني ذلك أدرك أن الحداد ليس نقيض التقبل، بل ربما يكون أحيانًا جزءًا منه، لكي أتمكن من حب النسخة الجديدة من جسدي وفهمها، ربما كان علي أن أسمح لنفسي أولًا بالاعتراف بأنني أفتقد النسخة القديمة، دون أن يعني اشتياقي إليها رفضًا لما أنا عليه الآن.

ونفس الأمر حدث مع نفسي، لأن هناك نسخًا قديمة مني أفتقدها بشدة، ليس لأنها كانت أفضل، بالعكس لو جلست مع بعض هذه النسخ الآن، وأخبرتني بالقرارات التي تنوي اتخاذها فى الأغلب، كنت سأقول: ((يا بنتي أنتِ بتعملي إيه؟))، لكنني أحبها على الرغم من ذلك.

أحب الفتاة التي كنتها في ال 18، و21، و25، أحب سذاجة بعض تلك النسخ وحماسها، كم كانت متأكدة من كيف ستسير الحياة، وأحيانًا أتمنى لو أستطيع الجلوس معها، ونشرب القهوة ونتحدث، ليس لأحذرها من كل شيء، أو أحاول تغيير مسارها، بل ربما لأخبرها فقط بأن أشياء كثيرة لن تسير كما تتوقع، وأن هذا لا يعني بالضرورة أن كل شيء سيكون سيئًا.

ربما يكون من أصعب جوانب التقدم في العمر، أن نكتشف أن نسخنا المختلفة لن ترافقنا جميعها حتى نهاية الطريق، هناك نسخ سنتركها في علاقات، ونسخ في بيوت قديمة، ونسخ في مستشفيات، ونسخ في بلاد، ونسخ سنتركها في سنة معينة من عمرنا، وكلما تذكرنا تلك السنة طوال حياتنا، سنتذكر الأشخاص الذين كنا عليهم.

كثيرًا ما نتحدث عن التغيير، وعن أن يصبح الإنسان أفضل نسخة من نفسه، لكننا نادرًا ما نتحدث عن ثمن ذلك التغيير، ولكي تصبح شخصًا جديدًا، عليك أن تودع الشخص القديم، حتى لو كان ذلك الشخص القديم هو أنت.

لكن من الجميل أننا نأخد تذكارًا من تلك النسخ القديمة: ضحكة، عادة، أغنية، كتابًا، طريقة معينة في الحب، شيئًا كانت تؤمن به، أو حلمًا صغيرًا ما زال مكانه موجودًا بداخلنا، نحن لا نمحي تلك النسخ لخلق مساحة لما سيأتي بعدها، بل نتكوّن منها.

ربما يكون أكثر أنواع الحزن حيرة بالنسبة إلي هو الحزن على حياة لم نعشها من الأساس، كيف يمكن أن نفتقد شيئًا لم يحدث قط؟ وكيف نحزن على مستقبل لم يكن موجودًا إلا في خيالنا؟

كان لدى معظمنا تصور معين عن الحياة: في سن معينة سأكون قد حققت شيئًا محددًا، وسأعيش في مكان معين، وأعمل في وظيفة معينة، وأكون مع هذا الشخص، وأفعل تلك الأشياء، وأصبح تلك النسخة من نفسي، ثم تأتي الحياة، وبمنتهى (قلة الذوق) لا تلتفت إلى الخطط التي وضعناها، وفجأة نجد أنفسنا قد بلغنا السن التي تخيلنا أننا سنعيش فيها حياة معينة، لكننا نعيش حياة مختلفة تمامًا، قد تكون تلك الحياة جميلة، وهذا الجزء أخذ مني وقتًا كي أفهمه.

لأننا نظن أحيانًا أن افتقادنا لخططنا القديمة، يعني أننا لا نقدّر حياتنا الحالية، لكن لماذا لا يمكن أن يكون الشعوران حقيقيين في الوقت نفسه؟ يمكنني أن أكون ممتنة للغاية للحياة التي أعيشها، وأن أحب فيها أشياء لم أكن أعرف حتى أنني أحتاج إليها، وفي الوقت نفسه، أن أنظر من حين إلى آخر إلى الطريق الذي لم أسلكه، وأتساءل إلى أين كان سيقودني.

ليس ندمًا بالضرورة، بل ربما فضولًا، أو حنينًا، أو شيئًا من الحزن على فتاة كانت واثقة من أن حياتها ستسير على نحو معين، ثم اضطرت في مرحلة ما إلى إعادة رسم الصورة بأكملها، الامتنان والحزن ليسا عدوين، ويمكنهما أن يجلسا معًا على نفس الطاولة.

توجد في علم النفس مراحل الحداد أو الحزن الخمس: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، ثم التقبل، ومع الوقت أصبحنا نتعامل معاها كأنها محطات طرق متتالية، تبدأ من أول مرحلة مرورًا على الخمس محطات، ثم مبارك عليك التخطي.

لكن الحداد والحزن أكثر تعقيدًا وفوضوية من ذلك بكثير، ولم يتم تحديد مراحل الحداد، كي تقول إن على كل إنسان أن يمر بالمراحل الخمس نفسها، وبالترتيب نفسه، فلا يوجد جدول زمني ثابت للحزن، ولا لحظة محددة يفترض أن نصل إليها، ونقول: انتهى الأمر لقد تعافيت، ولن أفكر في هذا الأمر مجددًا طوال حياتي، ولن أشعر بالألم بسببه مرة أخرى، بالنسبة إلي هذا الأمر مطمئن أكثر مما هو مخيف، لأن من الممكن أن تكون متقبلًا لشيء لسنوات، وتأتي أغنية وأنت في السيارة مثل (الكمين)، وقد يكون هناك شخص غاب عن حياتك منذ زمن طويل، ثم تري شيئًا، وتفكر ((كان سيضحك على ذلك))، ثم تضحك أنت، يمكنك أن تحب حياتك الجديدة، وتفتقد حياتك القديمة، وأن تسامح شخصًا دون أن ترغب في عودته، وأن تكون قد واصلت حياتك بالفعل، ثم تأتي ليلة عادية تمامًا، لتكتشف أن جزءًا صغيرًا منك لا يزال واقفًا في مكان بالماضي، وهذا لا يعني أنك عدت إلى نقطة الصفر، ولا أنك فشلت في تجاوز ما حدث، ربما يعني فقط أن الحزن ليس شيئًا نتخلص منه دفعة واحدة، بل شيئًا نتعلم كيف نحمله بطريقة مختلفة، والأهم من ذلك كله أن الحزن ليس دائمًا مأساويًا.

أوقات يأتي الحزن كحنين أو ابتسامة لرؤية صورة قديمة، أو أغنية تتجنبها؛ لأن لها مكانًا خاصًا في داخلك، أو شارع تمر به فتتذكر شخصًا، أو كتاب تفتحه فتجد ورقة قديمة، أو أكلة تطبخها، وتتذكر أن أحدهم كان يحبها.

أحيانًا تتذكر وتضحك، وأحيانًا تتذكر دون أن يحدث أي شيء على الإطلاق، سوى شعور صغير يمر بداخلك، ثم يمضي في طريقه، ربما لأن الحزن ليس ألمًا فقط، بل أحيانًا يكون الحزن عبارة عن حب تغير شكله.

أعتقد أن جزءًا كبيرًا من أحزاننا يصبح أكثر صعوبة، لأننا نقضي وقتًا طويلًا نحاول أن نقرر ما إذا كان يحق لنا أن نحزن من الأساس، هل يستحق الأمر كل هذا الحزن؟ لقد حدث منذ سنوات، وهناك أشخاص يعانون من مشكلات أكبر بكثير من مشكلاتي.

وكأن الحزن يحتاج إلى قضية قوية ومحامٍ بارع، حتى توافق المحكمة عليه، لكن ربما لا يحتاج إلى أي من ذلك، وفي الوقت نفسه، ليس علي أن أظل حزينة، لأثبت أن ما فقدته كان مهمًا.

يمكنني أن أفتقد وأضحك، وأن أحزن وأكون ممتنة، وأن أودع، وأتحمس لما هو قادم، وأن أحب ما كان وما أصبح، ويمكن لكل هذه المشاعر أن تتعايش داخل الشخص نفسه، دون أن تقلل أي منها من قيمة الأخرى.

ولا أعرف إن كان الحزن ينتهي فعلًا، ربما ينتهي بعضه، ويتغير بعضه، ويبقى جزء منه في مساحة صغيرة جدًا داخلنا، لكن ربما لم يكن الهدف يومًا أن نصل إلى مرحلة، لا نشعر فيها بالألم على الإطلاق، بل أن نتوقف عن الشعور بأن الألم هو الشيء الوحيد الموجود، نحتاج إلى أن تتسع الحياة من حوله، يدخل الضحك بجانب الحزن، وحب جديد وأماكن جديدة، أشخاص جدد، والنسخ الجديدة من أنفسنا، والذكريات التي لا علاقة لها بالخسارة، ليس لكي نمحي ما حدث، أو نثبت أننا تجاوزناه، بل حتى لا يكون ما فقدناه آخر شيء قد حدث لنا.

الحزن ليس بابًا نغلقه، ونرمي المفتاح بعيدًا، بل هو أقرب إلى صندوق صغير نحمله معنا كلما انتقلنا من بيت إلى آخر، ومن حين إلى آخر نفتحه، فنجد صورة، أو أغنية، أو نسخة قديمة من أنفسنا، أو شخصًا كان مهمًا، أو حلمًا، نجلس معهم قليلًا، ونتذكر، وربما نضحك أو نحزن، ثم نغلق الصندوق، ونعيده إلى مكانه، ونستكمل يومنا، ليس لأن تلك الأشياء لم تعد مهمة، بل لأن حياتنا اتسعت بما يكفي، ليكون فيها مكان للأشياء التي رحلت، ومكان للأشياء التي لم تأتِ بعد.

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

استخدم 8 أحرف على الأقل تشمل حرفاً إنجليزياً كبيراً وصغيراً ورقماً ورمزاً مثل ! أو @.

تأكيد البريد الإلكتروني

أكد بريدك الإلكتروني أولاً لإكمال الاشتراك. افتح رابط التأكيد لتسجيل الدخول تلقائياً.

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى