أعشق الملل والتكرار، أحب روتين الحياة اليومي، الذهاب إلى الأماكن نفسها والشواطئ، كثيرًا ما أتخيل نفسي رجلًا عجوزًا يعيش وحده في بيت صغير، يرتدي الروب الصوفي، أعيش حياة بسيطة، خالية من كل شيء إلا من هدوئها، في كل صباح يخرج ليتمشى تحت نفس الشمس التي تشرق في كل يوم، يشتري الجريدة نفسها التي اعتاد قراءتها في كل يوم، ثم يترك ذكرياته القديمة تتصاعد مع بخار قهوته.
أجد في ذلك المشهد سكينة غريبة، كأن الحياة لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة حتى تكون ممتلئة، ولا إلى أن تتغير باستمرار حتى تمنحنا معناها، هناك راحة هادئة في أن تعرف أن الأشياء التي تحبها ستمنحك دائمًا الشعور نفسه، الذي منحته لك من قبل، أجد نفسي أعود إلى ذلك اليقين مرة بعد أخرى، دائرة لا أريدها أن تنتهي.
أبدأ في كل صباح بفنجان من القهوة السوداء الساخنة، التي أعدها لنفسي، كأن يومي لا يعرف طريقه إلي من دونها، ثم مع امتداد النهار، أعود إلى مكاني المعتاد؛ لأطلب قهوتي المثلجة المعتادة، هناك لا أحتاج إلى الكلام كثيرًا، فالجميع يعرفونني، أو يعرفون طلبي على الأقل، وربما لهذا السبب تحديدًا لا أشرب القهوة في أي مكان آخر، فقد صارت للمكان ألفة تشبه ألفة العادات التي تنمو بصمت.
ومع ذلك، يزعجني أحيانًا أنهم يفترضون أنني سأطلب الشيء نفسه دائمًا، أستبقهم قبل أن يبدأوا بتحضير قهوتي، وأقول: ((لا، اليوم سأجرب شيئًا آخر))، كأنني أحاول أن أثبت لنفسي أنني ما زلت قادرًا على مفاجأة ذائقتي، أو على كسر الدائرة.
لكن، في معظم المرات، لا أجد في الطلب الجديد ما كنت أبحث عنه، فأعود بهدوء يشبه الاعتراف إلى قهوتي المعتادة، عندها أدرك أن بعض العادات ليست قيودًا كما نظن، بل بيوتًا نغادرها أحياًنا، فقط لنتأكد أننا ما زلنا نعرف طريق العودة إليها.
أستطيع أن أقول بثقة إن معظم تجاربي الإنسانية خارج نفسي، خارج دائرتي الضيقة، كانت مخيبة للآمال؛ لذلك لم أجد شعورًا حقيقيًا بالانتماء إلا في صحبة نفسي، أستطيع أن أقضي إجازة كاملة وحيدًا، يحيطني صمت لا يقطعه الكلام إلا حين يصبح ضرورة، من دون أن أشعر يومًا بما يسميه الآخرون «الملل»، كأن وحدتي لا تفرغ الوقت، بل تملأه.
قضيت معظم سنواتي الإحدى والثلاثين وحيدًا، لم تُفرض علي الوحدة، ولم أخترها عن قصد، تسللت إلي بهدوء، ثم استقرت حتى أصبحت شعورًا مألوفًا، وأنا أميل إلى كل ما يألفني ويألفه قلبي، ربما لهذا السبب لا أسمح لذلك الشعور أن يغادر، فالوحدة بالنسبة إلي ليست فراغًا أخشاه، بل مساحة أتنفس فيها، وبيتًا أعود إليه كلما أرهقتني الطرق.
في طفولتي لم تكن لدي صداقات قريبة، كان هناك أصدقاء المدرسة، لكنهم ظلوا داخل أسوارها، وأصدقاء السباحة الذين لم يتجاوزوا حدود المسبح، وأشخاص أعرفهم بقدر ما تعرف الأماكن روادها الدائمين، لم أشعر يومًا بالحاجة إلى أن تمتد تلك العلاقات إلى ما بعد المكان الذي جمعنا، لم يكن ذلك قرارًا واعيًا، بل كان يحدث من تلقاء نفسه، كما لو أن لكل علاقة دائرة خفية تحاوطها، فلا تحاول العبور، وكانت تلك هي دوائر طفولتي وسنوات مراهقتي، دوائر مكتفية بحدودها، لا تضيق بي، ولا أشعر بحاجة إلى توسيعها.
عندما بدأت العمل في العشرينات من عمري، اتسعت دائرتي قليلًا، خرجت الصداقات من حدود العمل، ودخلت وجوه جديدة إلى حياتي، كنت أُتهم دائمًا بأنني مباشر أكثر مما ينبغي، وأنني أقول ما أفكر به كما هو، أو أن لدي آراء واضحة في كثير من الأمور، وهو ما كان يجعل البعض يشعر بشيء من عدم الارتياح، أما أنا فلم أرَ في ذلك غرابة، فقد تشكلت شخصيتي خلال سنوات طويلة قضيتها بصحبة نفسي وأفكاري، حتى أصبحت الصراحة هي اللغة الوحيدة التي أجيدها، لم أعتد على أن أبحث عن الصياغة المثالية، كنت أبحث فقط عن الجملة التي تشبهني.
ثم ودعت تلك الصداقات كلها مع وداعي للعشرينات، في حدث واحد بدا وكأنه أغلق بابًا كاملًا خلفه، ولم يكن ما شعرت به مختلفًا كثيرًا عن ذلك اليوم الذي قررت فيه أن أطلب قهوة غير التي اعتدتها، كنت أظن أن تغييرًا صغيرًا يكفي ليبدّل الطعم، ثم أدركت أن بعض الأشياء لا ينقصها الاختلاف، بل الألفة.
لم أجد في الكوب الجديد الدفء الذي كنت أعرفه!
وهكذا عدت، كما أعود دائمًا إلى قهوتي المعتادة، إلى الأماكن التي تحفظ وقع خطواتي، وإلى الصمت الذي لا يطالبني بأن أكون شخصًا آخر، عدت إلى الدائرة الوحيدة التي لم أشعر فيها يومًا أن علي أن أشرح نفسي، عدت إلى نفسي.
للحياة طريقة غريبة في تكرار نفسها، في أغلب الأحيان لا أشعر أنني أتقدم إلى الأمام، بل كأنني أدور في دائرة تعيدني، مرة بعد أخرى، إلى النقطة ذاتها، أجد عملًا ثم أفقده، أتعرف إلى أشخاص جدد، ثم تنتهي علاقتي بهم، دائمًا لأسباب تبدو مألوفة، حتى صرت أشك أحيانًا أن ما يتكرر ليس ما يحدث لي، بل شيء في داخلي يظل يقودني إلى النهايات نفسها، ليس لدي الهوس بتحقيق الكثير من الأشياء.
وربما لهذا السبب لم أفهم أبدًا حين يقول أحدهم: ((أريد أن أفعل هذا قبل أن أموت))، أو ((لا أريد أن أموت قبل أن أحقق كذا وكذا))، تبدو لي هذه العبارات وكأنها تفترض أن رغباتنا ستظل معلقة بنا حتى بعد أن نغادر، أو أن هذه الحياة هي الفرصة الوحيدة للوجود.
لكن كل ما هو حقيقي يتغير، الأشياء تتآكل، وتفقد ملامحها، ثم تصبح شيئًا آخر، وحتى نحن لا نعبر الحياة بالنسخة نفسها من أنفسنا، نموت مرات صغيرة قبل موتنا الأخير، في كل عادة نتركها، وفي كل علاقة تنتهي، وفي كل فكرة لم نعد نؤمن بها كما كنا؛ لذلك لا أرى الموت قطيعة بقدر ما أراه امتدادًا لما تفعله الحياة بنا منذ البداية، تغيّرنا باستمرار، حتى لا يبقى منا في النهاية، سوى ما استطاع أن يصمد أمام كل ذلك التبدل، وهي الروح.
أحب الماء، وأؤمن أنني خُلقت لأسبح وأُسبِّح، وكما قال الله تعالى: ((وخلقنا من الماء كل شيء حي))؛ لذلك حين أحاول أن أرى نفسي، لا أراها إلا في صورة الثلج، أذوب قليلًا في كل يوم، حتى أصبح ماء يروي الأرض، فتنبض بالحياة من جديد، ثم أتبخر، فأصعد لأكون سحابة بين السحاب، قبل أن أعود مطرًا يلامس الأرض في برد الشتاء؛ فيتجمد الماء مرة أخرى، ويصبح ثلجًا.
لا نهاية في هذه الرحلة، بل تحولات، لا فناء، بل عودة مستمرة، دائرة لا تنكسر، بل تكتمل في كل مرة.
قال ميلان كونديرا: إن حُبَّ الكلب يتحرك في دائرة، فكل ما تمنحه له يعيده إليك كما هو، دون تغيير إلى الأبد، أما حُبُّ الإنسان فيتحرك في خط مستقيم، يظل يبحث عن الدليل التالي، والمرحلة التالية، والإثبات الجديد، دون أن يجد راحته الكاملة فيما هو موجود بالفعل؛ وربما لهذا السبب ينكسر الحب في ذلك الخط مرة بعد أخرى، لكن الدائرة فلا تطلب شيئًا جديدًا، ولا تبحث عن بداية أخرى، كل ما تحتاج إليه هو أن تعود إليها.
لهذا أعتقد أن الدائرة هي الشكل الأصدق للحب وللأيام، ولكل شيء يستحق أن يبقى، فبعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تتغير كي تكون كافية، يكفي أن نعود إليها مرة بعد أخرى، فنجدها كما عرفناها، وتجدنا كما نحن.
أسأل نفسي دائمًا:
هل سأكسر الدائرة يومًا؟
