هتعدّي

مروان عبد المولى يكتب

هتعدّي

تُصاب بوعكة صحية، فيخبرك الطبيب أنها (هتعدّي).

تمُر بضائقة مالية تعصف بخططك لعام كامل، فيواسيك شقيقك بأنها (هتعدّي).

ينفطر قلبُكِ بعد شجار مع حبيبك، أُطلقِت فيه كلمات أقسى من فولاذ الطلقات، فتحضنك صديقتك وتهمس في أذنك (هتعدّي).

وقد تدفن حيوانك الأليف في يوم عاصف وحيدًا بفأسك وسط الصحراء، ثم تقنع نفسك ما أن تُحضر واحدًا آخر سيتضاءل حزنك و.. (هتعدّي).

تتوالى المواقف القاسية، تجد من يخفف من وطأتها تارة، وتجد نفسك وحيدًا تواجه ما تلقيه الحياة تارة أخرى، لم تكن مستعدًا لتلك الأحداث، تجد البندقية في يدك، وفجأة أصبحت في خندق موحل على الجبهة الأمامية، تقاتل بشراسة لا لأنك مؤمن بأهمية القتال على قدر ما أنه لا يوجد خيار آخر، فالانسحاب يعني الخيانة، خيانة من وثق بك في قدرتك على التحمل.

تمر معركة تلو الأخرى و(تعدّي) بالفعل كما أُخبِرت، تأخذ قسطًا من الراحة بين المعارك، تحاول ملء رئتيك ببعض الهواء النقي بدلًا من رائحة البارود التي اعتدتها مؤخرًا، تستشعر النجيل الأخضر براحة يدك التي تشققت من حمل السلاح، تغمض عينيك لوهلة، فتتداعى عليك الذكريات.

تنظر إلى جسدك، فتجد بعض الجراح التي ما زالت تدمي من آخر معركة، تمحص النظر أكثر لتجد ندوبًا من معارك سابقة، ولا تتذكر متى أصبت بها، تدرك أنهم لم يخبروك بالحقيقة كاملة فيما يخص ما سوف يمضي، وما سيبقى معك حتى بعد انتهاء القتال.

((الإنسان بيتصور إنه بينسى، لكن الحقيقة مفيش نسيان أبدًا، كل خبرة وكل عاطفة وكل ذكرى مابتروحش، إنما ممكن تنطمس تحت ركام المشاغل وتبقى ضمن المخزون في عقل الإنسان، وبعدين فجأة بتظهر هذه المحتويات المخزنة في زلة لسان أو موجة غضب أو حلم عابر ذات مساء، محتوى النفس لا يُفقَد أبدًا بكل تفاصيله.)) – د.مصطفى محمود

 

(هتعدّي) هي الكذبة الأكثر تضليلًا في مواقف الحياة الصعبة، لا لأن المواقف ستمكث للأبد، بل لأنها حقيقة مجتزأة، ماذا بعد ما (تعدّي)؟ ماذا عن الندوب التي ستتركها في أرواحنا؟ ماذا عن الذكريات المؤلمة التي ثبتت أركانها بفعل قوة وقع تلك المواقف على أنفسنا؟ ماذا عن الحكايات التي تُثقِلنا؟ لم يخبرنا أحد عن ذلك كله.

والأهم، من سيعوضنا عن كل المشاعر التي فقدناها للأبد بعدما (عدّت) تلك المواقف؟ أتخيل نفسي  أقف على قبر جماعي وقد كُتب على شواهده أسماء كل من (البراءة) و(الثقة) و(الأمان غير المشروط)، هنا فقدت (الاحترام لأشخاص كنت أقدرهم) و(إيماني بأن الخير مُطلق ولا يحتاج إلى قوة)، وآسفًا دفنت (التعاطف) بلا رجعة.

لكن  على الجانب الآخر شبّت بداخلي سمات أخرى، كصلابة أصبحت جزءًا أصيلًا من شخصيتي، ورباطة جأش تقف بجانبي قبل أي شخص آخر، برود أعصاب أُحسّد عليه في كثير من الأحيان، أصدقاء -أو أحسبهم كذلك- وقفوا معي لرثاء مشاعر ذهبت بلا عودة.

وهنا تقبع المعضلة، أو هكذا أعتقد، فلولا تلك المعارك ما كنت سأصبح ما أنا عليه اليوم، نسخة أكثر صلابة، تظل ثابتة حين تزوغ الأعين، نسخة أكثر برودًا وعقلانية وعملية.

أتذكر الجلوس على سطح إحدى أبنية الزمالك الشاهقة مع صديقة مقربة، نتحدث عن تلك الكتل الأسمنتية ورغبتنا في السفر لرؤية العالم، أخبرها عن خططي لتغيير العالم، وتخبرني عن خططها لتغيير حياتها، نؤمن بأنفسنا بلا وحي، ونبلّغ رسالتنا لبعضنا البعض بلا تردد، وبعد سنين هجرنا السطح، وهاجرت صديقتي بلا رجعة، ونجحت خططها في تغيير حياتها، أمّا أنا والعالم، فلا زلنا نحاول تغيير بعضنا.

لم نكترث لشيء، أي شيء، كنا نخوض التجارب بلا أمل أو ندم، نعترك الحياة بلا حسابات، نؤمن بأنفسنا ولو كفر الآخرون، وحين تزوغ الأعين تنظر إلينا لنؤكد بأن كل شيء سيكون على ما يرام، ولكن كما يقال بالإنجليزية (الحياة حدثت)، وانطفأ وهج كان يضيء كل من حوله، وقد تبدل بمصباح أبيض أكثر سطوعًا، ولكنه يفتقد أي دفء، جُرِحنا ولم نعُد كما كنا أبدًا.

أمقت يومًا ما حدث، وأتمنى لو ظللت بنفس البراءة والطيبة والتسامح، وأمتن ليوم آخر لنفس الأحداث التي غيّرتني، ولولاها ما كنت سأصمد أبدًا أمام ما ألقته الحياة لاحقًا.

(هتعدّي) تلك المواساة الركيكة، كم أمقتها، كل شيء (عدّى) بالفعل، لكن شيئًا ما رحل، فقدنا الكثير من ذواتنا نفسها، وليس الصورة التي رسمناها للعالم فقط، ولأن قيمة الأشياء ليست في ثمنها، بل فيما بذلناه للحصول عليها، فنسختنا الحالية لا زالت أثمن ما نملك، لا لشيء إلّا لأننا فقدنا الكثير قسرًا تارة وطوعًا تارة، لكي نصل إلى ما نحن عليه الآن.

 

وأخيرًا، وللأمانة، وبعد كل تلك المعارك والمشاعر التي فقدتها على مر السنين، فلا زلت أبتسم كلما رأيت جروًا يلهو بلا اكتراث، وأقفز من البهجة وسط آلاف البشر في حفل صاخب، أجد نفسي مبتسمًا وممتنًا لمرور يوم (عادي)، لم أفقد إيماني بإمكانية جعل العالم في مكان أفضل، أؤمن بالحق والخير والجمال، أدعو الله ألا أفقد ذلك أبدًا، لا زلت أدعو الله بكل ثقة - أحب فِعل الدعاء ذاته - أن يمدني بالقوة التي أستطيع بها خوض المعارك.

يشبه بطل أسطوري وخيالي

ما عملش حاجة تستحق الذكر

غير إنه واقف لسه على رجليه

– الشاعر المصري مصطفى إبراهيم

 

كل (هتعدّي) تركت بعدها ندبة بالفعل، لكني أشكر الله أنها جروح والتأمت ولم تكن يومًا طعنات قاتلة قادرة على أن تُفقدني نفسي للأبد، فقد رأيت أصدقاء ينهارون من مواقف مشابهة لأحداث مرت عليّ، لكن لطفًا من الله صمدت حين بدا الانهيار هو الاختيار الأوقع.

لذا، فربما ليس اليوم، وليس غدًا، ولا العام القادم، لكنني لا زلت أؤمن أننا سنحقق ما كان يومًا حلمًا بعيد المنال، سنثبت لأنفسنا قبل أي شخص أن الحياة لم تكسرنا، وحتى لو خسرنا بعض المعارك، فوقوفنا بجراح مندملة مُنهكين لكن غير منكسرين لهو نصر في حد ذاته.

احصل على محتوى جديد كل أسبوع وتحديثات حصرية

اشتراكك في عالم هلبينج

سيتيح لك كامل المحتوى الحصري الأسبوعي من:

Service Iconمقال أسبوعي
Service Iconحلقة بودكاست
Service Iconحوارات مترجمة
Service Iconعالم غريب
Service Iconصفحة من كتاب
Service Iconتدريب كتابة

جاري التحميل...

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى