كان صباحًا عاديًا.
الحمد لله.. كم أحب الأشياء العادية! نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الأيام تمر مثقلة بالأخبار، بالضجيج، بالخوف، وكأن البساطة أصبحت ترفًا نادرًا؛ لذلك كل صباح يشبه الذي قبله، ولا يحمل مفاجآت، أشعر أنه نعمة تستحق الامتنان.
استيقظت ممتنة؛ لأنني ما زلت أتنفس، وأشعر بدهشة حقيقية، فأنا لا أتعامل مع الحياة على أنها أمر مسلم به، بل كهدية لم أطلبها، ومع ذلك مُنحت لي مرة أخرى.
على مدى السنوات الماضية، أدركت أن مجرد رجوع الروح إلى الجسد معجزة، كثيرون ناموا الليلة الماضية، ولم يروا نور الصباح، يعود ليشق الظلام، أكملوا سباتهم، ولم تعد أنفاسهم، ذهبوا إلى ذلك المكان الذي لا يعرفه أحد، نسميه أحيانًا الجنة، وأحيانًا النار، لكن الحقيقة أننا لا نعرف عنه إلا أننا جميعًا سنصل إليه يومًا.
شكرت الله على الحياة، وخرجت إلى حديقتي الصغيرة، نظرت إلى الأشجار، إلى الأزهار، إلى الورود التي أحبها، كأننا متشابكون بروح واحدة، مترابطة، متكاملة، كنت أشعر بجمالها وهو يمتد إليّ، شعرت بوجود الله الخفي الغامض، رفعت وجهي إلى السماء، وجلست أفكر: كم أنا محظوظة.. وكم أنا حزينة، في الوقت نفسه.
لكن.. الحزن لم يعد يفسد عليّ الجمال، صار الاثنان يجلسان بجوار بعضهما البعض في سلام غريب.
كل شيء بدا كاملًا، حتى وإن لم يكن مكتملًا، حتى وإن كان ناقصًا، حتى وإن كان مؤلمًا.. هكذا هي الحياة.
لطالما خشيت من المجهول، كما يخشى منه الجميع، فهو كثيرًا ما يأتي محملًا بالمفاجآت المؤلمة والمُربكة، كما يأتي أحيانًا بما لا تتوقعه النفس من سعادة وعطاء وكرم، ومع ذلك، أحب اليوم العادي، يوم لا يحمل معه قصصًا قديمة من الماضي، ولا رسائل من المستقبل، بل يحمل هذه الساعة فقط، وهذه اللحظة.
مرور الوقت أجمل ما يحدث للإنسان، ليس لأنه يصبح أكثر حكمة، بل لأنه يتوقف عن الادعاء بأنه يفهم كل شيء.
نتصالح مع الأسئلة، ولا نعود لنطارد الأجوبة كما كنا نفعل، بل أحيانًا نتوقف عن البحث عن المعنى كله، لأننا نكتشف بهدوء أن المعنى لم يكن مختبئًا في مكان بعيد، بل كان يجلس معنا طوال الوقت، في أبسط التفاصيل، في أول فنجان قهوة، في نسمة هواء نقية، في فجر يوم لم يلوث بعد، في بائعة متجولة، تتوقف عندها، وتشتري شيئًا لا تحتاج إليه، فقط لأنها تبتسم لك، تدعو لك دعوة من قلبها، ثم تكمل طريقها، بينما تكمل أنت طريقك، وأنت تشعر أن تلك الدعوة صعدت قبلك إلى السماء، وأن يومك أصبح أخف، وأن شيئًا جميلًا استقر في قلبك، لا أستطيع أن أفسر هذا، ولا أريد أن أفسره.
أصدق لحظات الحياة هي تلك التي لا تحتاج إلى تفسير، أقف أحيانًا عند نافذتي، فأرى العصافير تشرب من ثقب صغير في خرطوم الماء، الذي تركته يسقي العشب، أبتسم، لأن هذا الثقب الصغير أصبح نهرًا بالنسبة إليها.
ثم أرفع رأسي قليلًا، فأرى قطة تتمدد تحت الشمس، وكأن العالم كله بخير، وفي اللحظة نفسها، أعرف أن هناك حربًا في مكان ما، أمًا تبكي طفلها، ورجلًا يبحث بين الأنقاض عن بيته، وأبًا ينتظر خبرًا لن يأتي.
ومع ذلك..
ما زالت القطة تنام، وما زال العصفور يشرب، وما زالت الشمس تشرق، ليس لأن الحياة قاسية، بل لأنها تعرف شيئًا لا نعرفه، تعرف أن الاستمرار ليس خيانة للألم بل وفاء للحياة، نحن البشر، نريد أن نجد تفسيرًا لكل شيء.. هذا عبء ثقيل.
لماذا حدث هذا؟ ولماذا رحل ذاك؟ ولماذا أحببت؟ ولماذا خسرت؟
وكأن الحياة مدينة لنا بالإجابات.
أما الطبيعة.. فلا تشرح نفسها، لا تعتذر عندما تقتلع الريح شجرة، ولا تتباهى عندما تزهر أخرى، إنها فقط تكون كما هي، أشعر بالسلام كلما اقتربت منها؛ لأنها تذكرني أن الحياة ليست لغزًا ينبغي أن أحله، بل هبة ينبغي أن أعيشها، وأن بعض الأشياء لا تُفهم بالعقل، بل يشعر بها القلب، ثم يطمئن.
أنظر أحيانًا إلى قدمي، فأجد ذلك (الشبشب) المصري الذي أكاد لا أخلعه، وأضحك، ليس لأنه أجمل شبشب في العالم، ولا لأنه يستحق قصيدة، بل لأنه أصبح -بطريقة لا أفهمها- جزءًا من حياتي.
ثم تزورني تلك الفكرة التي تزورني كثيرًا.. قد يعيش هذا الشبشب أكثر مني!
أنظر إلى بيتي، إلى الأشياء الكبيرة والصغيرة، ولا أظن أنني اشتريت يومًا شيئًا لم أحبه، كل قطعة دخلت هذا المكان؛ لأنها لامست شيئًا في داخلي.
فنجان فيه شرخ صغير، كتاب لم أعد أتذكر قصته، لكنني أتذكر من كنت عندما قرأته، كرسٍ شهد صمتي أكثر مما شهد كلامي، هذه ليست أشياء، إنها أجزاء من حياتي أحبها.. والحب يترك أثرًا، ليس في البشر فحسب، بل في الأشياء، وأصدّق أن أثرنا يبقى في كل ما أحببناه بصدق.
أتساءل بيني وبين نفسي: من سيأخذ قطعًا صغيرة من روحي المبعثرة في مقتنياتي؟
أعرف أنني مؤقتة؛ ولهذا أعتني بنفسي، لأن هذا الجسد هو البيت الوحيد الذي سأعيش فيه حياتي المؤقتة.
أتمرن، أشرب الماء، أستيقظ مع الشمس، وأمشي حافية على العشب، لأن الأرض في كل مرة تذكرني أنني منها، فتستقيم روحي، وتطمئن.
كل ما أفعله في يومي، ليس هوسًا بالصحة كما يظن البعض، إنه صلاة شكر لله، لأنه أيقظني مرة أخرى، ومنحني يومًا جديدًا لأحبه.
أما البشر:
فهم أكثر ما يثير فضولي، وأكثر ما يربكني في الوقت نفسه، كل إنسان عالم كامل وصندوق أسرار، أراقبهم بشغف، فكل إنسان يحمل قصة لا نعرف عنها شيئًا، لكنني أعرف أننا جميعًا محدودون، وأنا أولهم، محدودون في أفكارنا، وفي مشاعرنا، وفي الطريقة التي نحاول بها فهم العالم، نربط الأشياء ببعضها البعض، ثم نتحول ببطء إلى أسرى لهذه الروابط، شخص ارتبط بذكرى، والذكرى بمكان، والمكان بشعور، ثم نظن أن هذه هي الحقيقة كلها، فأحاول، كلما استطعت، أن أتحرر من مخزون حياتي، لا لأنني أرفضها، بل لأنني لا أريد أن أكون سجينة تجاربي.
وربما لهذا السبب حيّرت كثيرين، لا يعرفون ماذا يفعلون بي.
هل يحبونني؟ أم يتحفظون مني؟
هل فهموني؟ أم أنهم فقط أقنعوا أنفسهم أنهم فهموني؟
وما أن يظن أحدهم أنه عرفني، حتى أفاجئه.
أتحدث يومًا عن صلاة الفجر، وعن الساعتين اللتين أقضيهما في كل صباح مع الله، في هدوء لا يحتاج إلى شهود، فيشعر البعض أنهم مبررون في حبهم لي ويبتسمون بارتياح، وكأنهم انتهوا من حل لغز.
ثم في اليوم التالي، أنشر صورة لي على البحر (ببكيني) أو بفستان قصير، وأكاد أسمع الصناديق وهي تُفتح من جديد.
لحظة.. ليست هذه الشخصية التي اتفقنا عليها!
لا أستمتع بإرباك الناس، وإن كنت أعترف أن المشهد طريف أحيانًا، بل لأنني أرفض أن أُختصر.
لست امرأة يمكن اختصارها في صورة.
ولا في صلاة.
ولا في منشور.
ولا في رأي.
كل ما يراه الآخرون تناقضًا، أراه أنا حياة، البحر هادئ، ثم تثور أمواجه، السماء صافية، ثم تمطر، الشجرة تبدو ساكنة، بينما الحياة تجري داخلها بلا توقف، فلماذا نقبل هذا كله من الطبيعة ونرفضه في الإنسان؟
لقد مشيت على هذه الأرض طويلًا، وأخذت من الحياة أفراحها وأوجاعها، والغريب أنني حين أنظر إلى الوراء، لا أتذكر إلا الأفراح، أما الأحزان، فبعد أن تمر، تختفي بطريقة لا أفهمها، كأنها كانت مطرًا صيفيًا، جفّ سريعًا.
أنا لم أعد صغيرة، جسدي يعرف ذلك، وعقلي يعرف ذلك، لكن أكثر من يعرفه قلبي.. لم يعد كما كان، أصبح رقيقًا إلى حد أنك تخشى عليه من كلمة، وأصبح صلبًا إلى حد لا تكسره العواصف بسهولة.
وصار يعرف متى يختبئ، ومتى يكشف نفسه.
متى يصمت ومتى يتكلم.
وكان هذا أكثر ما تغيّر فيه.
كان قديمًا يتكلم أولًا، ثم يترك لعقلي مهمة إصلاح ما قاله.
أما اليوم.. فالصمت أصبح لغته الأولى، وأظن أنه، بعد خمسة وخمسين عامًا، اكتشفت أن الصمت ليس ضعفًا، وأن الكلمة، قبل أن تخرج من القلب، ينبغي أن تمر على العقل أولًا.
لم يعد قلبي متهورًا، لكنه أصبح شرسًا حين يجب أن يكون كذلك، وأعتقد أن هذه هي هدية العمر، أن تصبح أكثر لينًا.. وأكثر قوة.. في الوقت نفسه.
وكان الله دومًا معي.
لم أجده في صور جاهزة، ولا في أشكال محفوظة، ولا في رجال بلحى، ولا في نساء يغطين رؤوسهن، ولا في سبح تتنقل بين الأصابع، لم أجده في الكتب كما قيل لي أن أبحث عنه، ليس في عالم من الشعارات، ولا في طقوس مكررة، بل في لحظات الصدق.. حينما تُرفع الحجب.
اليوم، لم أعد أبحث عن إجابة لكل سؤال، ولم أعد أريد أن أفهم الحياة كلها، يكفيني أن أراها كل صباح، وهي تبدأ من جديد، كأنها لم تتعب يومًا.
يكفيني أن أعرف أنني في هذا الصباح أيضًا ما زلت قادرة على أن أحب، وأن أتعجب، وأن أبكي، وأن أضحك من فكرة أن شبشبًا مصريًا قد يعيش أكثر مني.
ربما هذا هو المعنى الذي قضينا أعمارنا نطارده.
وربما لم تكن الحياة تطلب منا يومًا سوى أن نعيشها.
وأن نكون.
فقط.. أن نكون.
