إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فلتعلم أني أكتبها رغمًا عني ..
فلست شخصًا أواجه مشاعري بالكتابة على الإطلاق، ولا أهرب منها، أنا فقط أواجهها مرة واحدة، مجرد سؤالين: ما الذي تشعرين به حقًا الآن؟ ثم بعده مباشرةً: حسنًا، ماذا سنفعل الآن؟ وكأن حياتي دائمًا مبرمجة على الحركة، ليس لدي امتيازات الانتظار والتعامل مع مشاعري وتفهمها وهضمها .. يجب أن أتحرك للخطوة التالية.
لا أعلم إذا كنت طفلة كثيرة البكاء أم لا، لأنني لا أتذكر الكثير من طفولتي، وأغلب ذكريات طفولتي، التي تأتي إلى عقلي دون تحكم مني، أكرهها، وأجبر نفسي على التشبث ببعض الذكريات الجميلة رغمًا عن أنف عقلي، الذي يصر أن يعيد مشاهد تدفعني إلى البكاء، فأنا أكره أيضًا البكاء، حقًا لا أفهمه .. بكيت؟ انهالت دموعك سيولًا؟ ثم ماذا بعد؟ ماذا أضاف أو أصلح ذلك؟ كما قررت أيضًا قاعدة ((أن البكاء لا يجب أن يتعدى الدقيقة)) .. 60 ثانية فقط متاحة لتفريغ هذه المشاعر قبل أن يأتي السؤال الأهم: حسنًا، ماذا بعد؟
جنون السيطرة؟ نعم اختبرته، ولكن ليس على الآخرين، بل على مشاعري، فأصبحت أُجبر نفسي على الإحساس بشعور معين، ولم أدرك أنني انفصلت عن مشاعري الحقيقية لفترة زمنية طويلة، طوال حياتي أتعامل مع قولبة مشاعري بشكل معين؛ لأنني ظننت أن ما أشعر به في كل موقف (غير مناسب) .. وأسمع الكثير من (إيه اللي يزعل في كده؟!) .. (موضوع مش مستاهل عياط) .. (فرحانة أوي كده ليه؟)، وكأن هناك خللًا ما في أحاسيسي تجاه الموقف، ولذلك كان الأسهل دائمًا أن أستشف ما هو الشعور المناسب لهذه اللحظة، ثم أفرضه على نفسي.
2010: كانت السنة التي غيرت حياتي، لأول مرة أسافر خارج مصر وحدي إلى الهند في رحلة عمل، أتذكر جيدًا حواري مع زميل عمل لي عندما سألني أول مرة: ما الذي تشعرين به حقًا؟ كنت غاضبة جدًا من مشكلة ما في إدارة مهمة من مهام العمل، وجاوبته أنني غاضبة من أن أحدًا ما لم يتم عمله بالشكل المطلوب، فسألني: أهذا فعلًا ما أغضبك؟ ظللنا نتحدث عما أغضبني، حتى أدركت أنني لست غاضبة.. فلدي شعور بعدم التقدير للمجهود الزائد الذي أفعله لتصحيح أخطاء البعض.
في نفس العام تعرفت إلى مديرة مشروع أحببتها كثيرًا، وأثرت في كثيرًا، عندما قالت لي: -أحب العمل معكِ؛ لأنك تقومين بالعمل بإتقان، وليس لأنكِ تحققين نتائج جيدة!
هنا أدركت شعورًا، لم أختبره من قبل، أيمكن حقًا أن يحبني شخص بغض النظر عن نتائج أفعالي؟! أيمكننا فعلًا أن نُحب بغض النظر عما نقدمه للآخرين؟ ألا يجب علي أن أكون ماهرة في شيء ما كي يحبني أحدهم؟ وكأن هناك عالمًا جديدًا فُتحت أبوابه أمامي.
غريب جدًا أن تكتشف أن حياتك خصوصًا طفولتك، كان يمكن أن تكون أفضل كثيرًا مما كانت، إن كان هناك بعض التغييرات الطفيفة جدًا، التي لا تكلف شيئًا، وأولها أن يدعك الآخرون لتكون طفلًا!
أتفهّم جيدًا أن الحياة تضع في طريقنا مسئوليات غير متوقعة، ولكني أعيب كثيرًا على الأهل، الذين يحمّلون أبناءهم جزءًا من مسئولياتهم، ويمدحون ذلك (دا شايل البيت) .. لا! فقد أصبح عقلي -أوتوماتيكيًا- يسجل أشياءً في دفتري، فأنا أعرف جيدًا الأكلة المفضلة لكل شخص، وكيف نظر أحدهم إلى شيء (تذكري حتى نشتري هذا في عيد ميلاده)، وكأن مخي نسى كيف يعيش اللحظات، وأصبح فقط أداة لإدخال المعلومات لاستخدامها لاحقًا.
إذا وصلت إلى هذا الجزء، وأدركت أنك تمر بنفس الأشياء، فإليك بعض التحديثات:
1- قابلت زوجي، الذي جعلني أيقن بالحب غير المشروط، أحبني كما أنا بعيدًا عما أقدمه في هذه العلاقة، ورغمًا عن لحظات جنوني.
2- أنجبت طفلًا رائعًا يعيش طفولته كاملة، وأحبه كما هو، أرى تأثير ذلك عليه، وأعتقد أنني أشفي جروح طفولتي برؤيته سعيدًا.
3- أدركت أنني لا أحتاج إلى تقديم أي شيء؛ ليحبّني شخصًا ما، وأحاول أن أسأل نفسي دائمًا قبل تقديم شيء: هل أفعله لكي يحبني الشخص أم ما أقدمه هو نابع حقًا من شعور العطاء؟
وأخيرًا، أحتفل بعيد ميلادي هذا العام محاطة بأشخاص أحبهم كثيرًا، و يحبونني كثيرًا (حبًا غير مشروط). ❤️
