١- إيصال بالسعادة الموعودة

في فيلم «المنسي» أرى طابورًا أمام السينما، يشقّه عادل إمام، حتى يبلغ آخره حيث يقف هنيدي، الرجل الذي شاهد الفيلم، وصار حكيم الطابور وحامل مفاتيح أسراره، في وجه عادل إمام لهفة من لا يسأل عن فيلم، بل عن ضمان، يريد أن يتأكد من أن الساعتين القادمتين ستبرّران ثمن التذكرة والزحام، يريد من المستقبل إيصالًا يضمن السعادة قبل أن يدفع له ساعتين من عمره.
يسأله: «الفيلم ده قصة ولا مناظر؟»، فيقول: «مناظر»، فيتحمّس: «كام منظر؟»، فيجيبه هنيدي بدقة من عدّها: «خمس مناظر، اتنين بقميص النوم وتلاتة ملط».
٢- غرفة مات فيها جدّي، وسُجن بها أبي

لطالما كرّر أبي حكايته مع موت جدّي، كان في السادسة حين دخل إلى الغرفة، فوجده يحتضر، طلب منه أبوه أن يقرأ عليه «يس»؛ ليخفف الألم، فجلس الصبي يقرأ حتى انقطع النَفَس، حفظت الحكاية، كما أحفظ صوت أمي وعنوان بيتنا.
في العام الماضي بعدما بدأت بجمع التاريخ الشفوي لعائلتي، فوجدت عمّي يحمل الحكاية نفسها، وينسبها إلى نفسه: كان في العاشرة، دخل الغرفة نفسها، وقرأ السورة نفسها، ومات أبوهما أمامه، لا تختلف الروايتان في تفصيله، يخطئ فيها النسيان، فلم تتغير الغرفة ولا السورة ولا لحظة قبض السر الإلهي، ولكن تغيّر الصبي وحده.
لا أظن أن أحدًا منهما يكذب، الذاكرة لا تكذب، لكنها تنتقي، صدّقتهما معًا: بقي في الغرفة صبي، وخرج منها أخوان يحمل كل منهما موت أبيه وحده، مات جدّي مرة، ثم ظل يُبنى خمسة وخمسين عامًا في ذاكرة طفلين لا يتذكران صوته ولا رائحته، أضافا إليه نصيحة لم يقلها وموقفًا لم يتخذه، حتى صار وجهه أجمل كلما ابتعد، كأنه البدر في ليلة التمام.
سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم
وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ
- أبو فراس الحمداني، فارس أسير.
لم يكن البدر الذي افتقده أبي في السماء، بل كان رجلًا ورث بيته قبل أن يعرفه، فبقي واقفًا على بابه يبكيه باقي ليالي العمر.
كلما حدّثني أبي شعرت أن كلامه يتجه إلى شخصين، يصلني في موعده، ثم يواصل طريقه إلى أبيه متأخرًا خمسة وخمسين عامًا، كأنه يثبت له أن الصبي صار رجلًا يستحق رضاه، ينتظر من الغائب جوابًا لن يسمعه، ولا ينتبه إلى أن ابنه الحي راضٍ به.
لا أعرف جدّي إلا من الحكايات، أما أبي فأعرفه من أثره فيّ، علّمني أن آكل من كدّ يدي، وأن أتحرى الصدق متى ضلّت بي الطرق، وألا أنسى أن «كل جسد نبت من حرام فالنار أولى به».
حين أحاول أن أُخرج أبي من الغرفة، أدخل إليها معه، أعلّق حياتنا المشتركة على خروجه من ماضيه، فيفوتنا الحاضر سويًا، وبين الانتظارين يضيع من عمره ما يضيع من عمري، فأرتكب ما ألومه عليه، لا أريد أن أرث غرفة جدّي، ولا أن أنتظر أبي حتى يصير بدرًا في سماء أزلية، أريد أن أقف معه عند باب الغرفة، وأشير إلى البدر، ثم إليه، ليدرك أنني أراه، وأنني سعيد به (هنا والآن)، وأنه هو البدر الذي انتظره طوال حياته.
لا أريد أن يضيع ما بقي من الليل في الإشارة إلى الضوء.
٣- الهروب إلى الأمام

هاجرت للعمل في سن الثلاثين، لكنني حمّلت السفر سؤالًا، ضاقت به حقائبي، أردت للمسافة أن ترتّب ما عجزت عن ترتيبه في القاهرة، ظننت أن مدينة جديدة ستمنحني نسخة مزهرة من حبي الذابل للحياة، كأن الختم على جواز السفر يبدّل أقدار صاحبه.
بنيت في المستقبل بيتًا لا بجدران بل بشروط: حين أستقر سأهدأ، حين يتحسن العمل سأعرف المدينة، حين أعود إلى القاهرة، سأعيش كما أريد، وضعت حياتي قربانًا لرحلة في آخرها «نيرفانا» صغيرة تنتظرني وأنتظرها، عاملت البيت الذي عشت فيه كمحطة أنام على رصيفها كل ليلة، في انتظار قطار العودة، أضع يومي على طرف السرير، وأُبقي جزءًا مني واقفًا عند الباب، لم تسعفني صافرة القطار، وبقيت أُمنّي النفس بصوت لا يصل.
وأنا المغرم صبابة… بإسكندرية يابا
وفكرة كوني أنسى… في حكم الاستحالة
- أحمد فؤاد نجم، فلاح مصري.
اليوم أدرك أن المكان لا يموت حين أغادره، بل حين أرفض أن أكون فيه، قضيت أعوامًا في بيت أسمّيه مؤقتًا، حتى اكتشفت أن المؤقت لم يكن منزلي، بل عمري، كل شرط علّقت عليه سعادتي أبعدها خطوة، وكل غد انتظرته أخذ من يومي يومًا، انتظرت من المستقبل «5 مناظر» تخفّف مشقة الرحلة، بينما كانت الرحلة نفسها تمضي من دوني.
٤- من نزل، ومن لم ينزل

ظل باب المستقبل يبتعد كلما اقتربت منه، ولا يفتح لي باب الماضي مهما علت نداءاتي، الهروب إلى الأمام يعدني بما سيأتي، والهروب إلى الخلف يساومني بما انتهى؛ وبين الوعدين يفوتني اليوم، وهو الباب الوحيد الذي لا يحتاج إلى مفتاح.
يقف امرؤ القيس على أطلال ديار حبيبته ويستوقف رفيقيه، لم يكن يبكي حجرًا، فأنينه المكتوم يرثي به الأمان، أُحب وقفته، لأن الحزن يثبت أن شيئًا غاليًا كان هنا، لكن الرمل لا يجيب، يحفظ أثر القدم قليلًا، ثم تسوّيه الريح.
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ
بِسِقطِ اللِّوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
وُقوفًا بِها صَحبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمُ
يَقولونَ لا تَهلِك أَسًى وَتَجَمَّلِ
- امرؤ القيس، شاعر قتله الحنين.
بعده بقرون يمر أبو نواس بالطلل نفسه، فيتركه ويمضي يسأل عن خمّارة البلد، لا تعجبني قسوته على الباكي، لكنني أفهم انحيازه إلى الحياة، امرؤ القيس رأى ما فقد، وأبو نواس رأى ما يتنفس.
لا تَبكِ لَيلى وَلا تَطرَب إِلى هِندِ
وَاِشرَب عَلى الوَردِ مِن حَمراءَ كَالوَردِ
عاجَ الشَقِيُّ عَلى رَسمٍ* يُسائِلُهُ
وَعُجتُ أَسأَلُ عَن خَمّارَةِ البَلَدِ
- أبو نواس، ماجن يتلذذ بأيامه.
(*) الرسم = الطلل = آثار ديار الأحبة = يقصد امرأ القيس.
الحزن والسعادة ليسا خصمين، السعادة تقول: هذا جميل، والحزن يقول: كان جميلًا، كلاهما دليل على أن سحر الحياة مسّني.
تبدأ التعاسة حين أطالبها بشعور واحد، وأعامل ما عداه كأنه نقص في الفيلم، أنزل مع امرئ القيس ما يكفي لأبكي، ثم أنهض مع أبي نواس لأرى ما بقي، لا أطرد الحزن، ولا أطالب الفرح بالإقامة.
سحر الحياة أنها كلما أخذت شيئًا، أبقت أثرًا يستحق النظر.
٥- أثر لا يمسك بالدفّة
أقف على شاطئ النيل، وأتأمل المراكب، تمرّ (الفلوكة) النهرية، فتترك خلفها خطًا من الماء المكسور، يتسع، ثم يهدأ، ثم يختفي قبل أن تبلغ الضفة الأخرى، يبدو كأنه يرسم لها طريقها، ولكنه في الحقيقة ينساب من ورائها، ولا يعرف إلى أين تذهب، المركب يصنع الأثر، أما الأثر فلا يصنع الرحلة، يمسك بالدفّة ربّان ماهر، يحس بالرياح تهب (الآن)، وبالماء يتحرك تحت الخشب (هنا)، ولا شيء يستحق الالتفات غير ذلك.
لم أحتج إلى طلل، ليستوقفني الماضي، عشت طويلًا بألمه كأنه نَسبي، وكأن ما حدث لي تعريفي الوحيد، بعدما قاسيته في الثامنة تغيّر شيء فيّ، وفي التاسعة عشرة لمسني الموت، ولم تفارق برودة أنامله جسدي، وفي عمر السابعة والعشرين فقدت الحب الذي تعرف أنه يمر في العمر مرة، صففت عذاباتي خلفي، ثم صدّقت أنها تقود خطاي نحو مصير محتوم من الحسرة.
حين غادرت القاهرة حملت أثرها معي، وظللت أنظر إليه كأنه طريق العودة، وحين عدت، وجدت أثر العمران، ولم أجد شوارعي التي تركتها فيها، كانت الشوارع في مواضعها، لكن المكان الذي اشتقت إليه ذاب مثل خط الماء، لم تكن القاهرة ناقصة، بل كنت أطلب منها أن تعيد زمنًا ولّى، وهي لا تملك إلا لحظتها الحالية.
وَأَجري فَلا أُعطي الهَوى فَضلَ مِقوَدي
وَأَهفو وَلا يَخفى عَلَيَّ صَوابُ
- أبو فراس الحمداني، أسير حر.
الماضي يخبرني من أين مررت، ولا يقرّر إلى أين أذهب، أستطيع أن أحبه، وأن أودّعه حين يختفي، لكنني لا أسلّمه الدفّة، هو أثر جميل، لكنه مجرد أثر: يشهد على الرحلة، ولا يقودها.
٦- المنظر السادس
أعود إلى عادل إمام في «المنسي» بعد خروجه من القاعة، دخل وفي رأسه خمسة مناظر وعد بها «حكيم» الطابور، لم ينظر إلى الشاشة ليرى، بل ليفتش عمّا وُعد به، صار كل مشهد لا يحقّق الوعد وقتًا ضائعًا، وحين أُضيئت الأنوار، لم يحمل من الساعتين إلا خيبة الأمل وضيق الصدر.
وكأن له من اسمه نصيبًا، فحين نسي الحياة، نسيته الحياة، وحين غابت المناظر الخمسة، ظهر سادسٌ لم يكن على الشاشة، بل على وجه «المنسي»: رجل وصل إلى المستقبل فوجده خاليًا من السعادة التي منّى نفسه بها، فاتته الحياة، وهو يعدّ ما فاته.
أعرف هذا الرجل كأنه انعكاسي في المرآة؛ بنيت سعادتي في بيت بلا جدران، وكدت أرث مفتاح غرفة الموتى، ونظرت إلى أثر الماء، كأنه يعرف طريقي أفضل مني، كلما جاءتني الحياة في غير الصورة التي رسمتها، حسبتها ناقصة، كتبت الوعد بنفسي، ثم غضبت لأنها لم تفِ به!
لم ينتظر أَحدًا أمام النهر /
في اللاانتظار أُصاهر الدُوريَّ
في اللاانتظار أكون نهرًا
قال: لا أَقسو على نفسي، ولا
أَقسو على أحدٍ،
وأنجو من سؤال فادحٍ:
ماذا تريد؟
- محمود درويش، رسول كنعاني.
نَفَسي يُحييني عابرًا: شهيق يدخل، وزفير يخرج، ولا يبقيني حيًا إلا لأنني لا أستطيع الإمساك به وحبسه، والحياة مثله: لا أملكها بالقبض عليها، بل بالانتباه إليها وهي تعبرني.
في نهاية الرحلة أدركت أنني لم أحتج إلى أي رحلة، ليس لي مكان إلا هنا، ولا زمن إلا الآن، بطل الملحمة البابلية «جلجامش» بلغ آخر الأرض طلبًا للخلود، و«المنسي» تحمّل ألم ساعتين طلبًا لمنظر يشفيه، وأنا قطعت المدن طلبًا لأمان لا يزول، ثلاث رحلات وراء وهم قديم: أن النجاة تنتظر في مكان آخر.
يا ترى كم منظرٍ يفوتني الآن، وأنا أقف هنا أسأل: هتوريني قصة ولا مناظر؟
