كنت أقلب في دفاتري هذا الصباح بحثًا عن شيء.. أي شيء قد أكون كتبته عندما كنت لا زلت هنا.. معي.. لا أثر.
وجدت أصابعي تبحث بكلمة (حُبي)؛ لأنها الكلمة التي كنت أوصفك بها، وأشير إليك في كل كتاباتي التي كتبتها من بعدك.
لم أعثر عليك!
ولكنني، عثرت على مئات الرسائل، كلها موجهة إليك.. كلها كُتبت إلى (حبي)!
يااه! مراحل بأكملها وبكامل تفاصيلها وجدتها مخبأة داخل هذه الصفحات..
قصص عن الحب.. وعن الوحدة وعن القلق وعن محاولات النجاة ومحاولات للوصول.. وفي مكان ما، بين كل هذه الكلمات والسطور، أدركت شيئًا أخافني قليلًا:
أنا (حبي)!
كل تلك السنوات، كنت أعتقد أنني أكتب عن الحب.. لكنني أدركت حقيقة أن هذه الكتابات كانت طريقي للعودة لحقيقتي ونفسي..
هذا الصباح، اكتشفت أن بينما كنت غارقة في البحث عنك.. وجدت نفسي!
ثم وجدت رسالة،
رسالة عمرها 10 سنوات..
تحديدًا في 24 يونيو 2016، فحواها كالآتي:
في عيد ميلادك السادس عشر، أريدك أن تكوني واعية ومدركة لأيامك القادمة.. الأيام التي ستشعرين فيها كما لو أنها نهاية العالم.. انتبهي للأيام التي ستريدين فيها إنهاء حياتك.. والأيام التي سترغبين في هجر المدرسة.. الليالي الوحيدة الثقيلة.. قراراتك الخاطئة.. القلق المفرط وأنفاسك الصعبة المتلاحقة في أول مرة كُسر فيها قلبك..
انتبهي من أمنية عيد الميلاد التي لن تتحقق..
عزيزتي، من فضلك.. هوّني على نفسك.. لأن عندما تأتي اللحظة، لحظة بعينها،
ستتألقين، ستصبحين بطلك الخارق الذي تمنّيتِ وجوده لإنقاذك..
ستصبحين الناجي المفضل لك..
لن تصدقي ولكن، أنتِ، ستكون لديك القدرة على حب نفسك أكثر من إمكانية أي رجل على الإطلاق.
عندما تحين تلك اللحظة، ستقومين برسم نفسك بدلًا من الولد الذي كسر قلبك، وحطمه تحطيمًا لآلاف القطع، دون أن يعلم أنه بهذا الكسر قد صنع المرأة، التي تستطيع أن تحب أكثر من حب الشمس للقمر وثقتها به وبث نورها له ليكتمل كل شهر.
يا حبيبتي، عندما تأتي تلك اللحظة، ستكونين كاملة مثل البدر في ليلة الخامس عشر من كل شهر.. لن تحتاجي إلى رجل ليخبرك إذا ما كان يحب خصلات شعرك المفرودة..
ستحبين موجات شعرك الطبيعية..
لن تحتاجي إلى رجل لترتدي أخيرًا هذا الفستان الأسود القصير، الذي تحبينه وتحتفظين به ساكنًا في (دولابك) من أجله.. ستتعلمين أن بإمكانك تناول العشاء وحدك.. وعلى الرغم من هذه الوحدة ستلمع روحك..
حبيبتي، عندما تأتي تلك اللحظة، صدقيني ستتألقين! ستزدهرين! ستلمعين!
لأن في عمر الثانية والعشرين، ستدركين أن الحياة ليست عبارة عن أمنيات في ليلة عيد الميلاد أو آمال عريضة تهمسين بها كلما شاهدتِ شهبًا في السماء، ستتعلمين أن قلب رجل لا يمكن مقارنته بأي شكل من الأشكال براحتك النفسية ومنطقتك الآمنة الدافئة..
في عمر الثانية والعشرين، ستعرفين أن كل تلك الليالي الموحشة الثقيلة هي من صنعت ما أنتِ عليه الآن..
أن قلقك المفرط هو جزء من جمال ابتسامتك بعد التقاطك بصعوبة بالغة لأنفاسك أخيرًا..
ستتعلمين أن ثماني سنوات يمكنهم صنع المعجزات..
وأن الحياة فعلًا وبكل صدق جميلة.. وأنها أكثر جمالًا وأنتِ بصحبة نفسك..
ولكن في عمر الثانية والعشرين، ستتعلمين أيضًا أن المرأة التي كُسر قلبها مرات كثيرة لا زالت قادرة على الحب كما لو أنها أول مرة.
قرأت هذه الرسالة عدة مرات بعدم تصديق..
لأن هذه الفتاة صغيرة السن لم تكن تعلم أن كسر القلب لا يحدث فقط عن طريق الحب، في عمر السادسة عشر وحتى الفتاة ذات الـ٢٢ عامًا كانت كلتاهما تظنان أن القلب المكسور معناه هجر الولد الذي أحببته لي..
لكنني لم أكن أعلم أن البيوت تكسر القلب أيضًا.. العائلات تكسر القلب.. والوقت والحنين والنضج.
لم أكن أعلم أن المنزل الدافئ الذي اعتدت أن أرسمه في طفولتي، يمكنه أن يزلزل الأرض تحت أقدامي يومًا ما..
لا أحد يحضرك لكسرة القلب المصاحبة لرحلتك في اكتشاف نفسك.. في الوصول إلى نفسك..
وعلى الرغم من كل هذا، الحياة تسير للأمام بلا مبالاة.. يأتي الصباح، وتبرد القهوة بجانبك وأنت تحاول أن تستوعب، وتفهم كل الأحداث الثقيلة التي تعجز الكلمات عن وصفها.. الحياة لا تتوقف لأي شخص..
ولكن ربما هذه هي حقيقة النضج، أن تدرك أن القوة ليست في أن تصبح آمنًا في حصن منيع..
القوة هي أن تسمح للحياة أن تؤدبك دون أن تسمح لها بترك مرارتها في حلقك..
لأنني وبعد كل شيء، لم أصبح قاسية..
بل للمفاجأة، أصبحت أكثر رقة..
أكثر رقة في المواقف التي تستدعي هذا اللين.. وأكثر شراسة في المواقف التي تستدعي الحماية.
لا زلت قادرة على الحب.. وأعرف كيف أحب.. بل أعتقد أنني أصبحت قادرة على الحب أكثر من أي وقت مضى، وليس السبب في ذلك هو نعومة ولطف الحياة معي.. لأنها لم تكن كذلك.
كنت أظن أن عند وصولي لهذا العمر، سأكون قد تعلمت جيدًا كيفية حب نفسي، بكامل حقيقتي ومن دون مجهود، لكن ربما حب نفسك ليس مكانًا محددًا يمكن الوصول إليه، ربما حب نفسك هو طريق مستمر طوال حياتك من محاولات ناجحة وفاشلة.
لن تتوقف الحياة عن المجيء بأيام تحاول القضاء عليكِ تمامًا.. لكنني، الآن، ما أنا ممتنة له من كل قلبي هو علمي أن في كل مرة تنهضين فيها من جديد على قدميكِ، لن تكوني فيها نفس الشخص..
ستنهضين مرفوعة الرأس..
أكثر رقة..
أكثر حكمة..
أكثر شجاعة..
وفجأة، ستدركين أن الحياة أوسع وأشمل كثيرًا من الحب..
هناك الله، هناك أهداف، هناك حنين، هناك فن، هناك الكثير من النسخ من نفسك التي لم تقابلها بعد، هناك صباحات في انتظارك، لن تتخيل حتى أنك ستنجو منها لو اختبرتها في هذه اللحظة.
كل شيء يمر؛ الأشياء الجميلة والأحداث القاسية والناس ولوعة الفقد والسعادة..
كل شيء يمر..
ومع ذلك، نعيش..
ومع ذلك، نستمر..
ومع ذلك، نحب.
ربما كانت الطفلة الصغيرة على حق..
ربما كل دعوات عيد ميلادها قد تحققت بالفعل!
