أنا.. مُجرد إنسان!

إكرامي عيد يكتب

أنا.. مُجرد إنسان!

 

لا أعلم لماذا كان عليّ أن أتحدث في مثل هذا التوقيت المتأخر في ليلة هادئة بميدان التحرير، عندما قررت بكل حواسي أن أمسك كاميرا هاتفي، وأبدأ في سرد قصتي دون أي مقدمات.

 

كل ما في الأمر أنني عندما أمرّ من شارع بيتنا القديم، أتذكر كم كنا، وكم عشنا أيامًا هانئة تارة، وأيامًا قاسية تارة أخرى، ببساطة هكذا دُفنت تلك الأيام، ولم يسمع عنها أحد، كيف ومتى سيُسلَّط الضوء على تلك الروايات المركونة في ذلك الرف المهجور؟

 

وقتها قررت أنا، إكرامي عيد، البالغ من العمر ستةً وعشرين عامًا، وخريج كلية الآداب، قسم الترجمة الإنجليزية، أن أسرد رحلتي منذ تخرجي من دار زينب عزت للأيتام، دارٌ صلبة، تقع في قلب المدينة، بحي السيدة زينب تحديدًا.

 

يا الله! كلما ذكرت تلك المنطقة، أشعر بقشعريرة تتملك جسدي بالكامل، لمجرد تذكري كم كان ذلك الحي جزءًا كبيرًا من تشكيل حياتي، وصناعة ما أنا عليه الآن.

 

هل كنا مشرّدين؟

هل كنا دارًا ينتمي إلى طبقة عالية ويُنفق عليه الكثير من أموال التبرعات؟

هل… وهل… وهل؟

 

الإجابة بسيطة جدًا، كنا أسرةً واحدة، يلتف أفرادها حول تلفاز واحد، نستخدم حمامًا واحدًا، كان لكل واحد منا سريره، وكان من النوع ذي الطابقين.

 

كنا ننعم بالهدوء، كهدوء شمس صباحات الشتاء، لم نكن نفهم معنى كلمة (مؤسسة) و (دار)، ولا حتى معنى كلمة (يتيم).

 

يتيم؟ كيف وأمي أمامي؟!

 

وقتها تغيّر ذلك المفهوم عندما كثرت الأسئلة في المدرسة.

 

كيف يكون هذا أخاك وأسماؤكما غير متشابهة؟

أنتم اثنا عشر أخًا في المدرسة؟

 

أتذكر، وأنا أكتب لكم هذه الكلمات، أنه منذ ذلك الوقت أصبح العالم أوسع، وبدأت أتلقى رصاصات في قلبي ممن يتغذّون على الفضول، وكانت أسئلتهم المحرجة تنتهك حدائقي الخاصة التي تسكن قلبي.

 

كانت أمي تردد ثلاث كلمات، ما زلت أحفظها حتى الآن:

-سأظل أدللكم، أنا أعرف الحاضر، لكن المستقبل لا أعرفه.

-أنتم لستم أقل من أي أحد ممن حولكم.

-أنت تمثل نفسك فقط.

 

نعم، كانت تلك الكلمات بمثابة درعٍ لي، لكن بنيتي النفسية كانت ضعيفة آنذاك.

 

هل كانت حياتي عادلة؟

هل استحققت كل ما حدث؟

 

في الحقيقة، كانت حياتي أكثر من عادية، حتى تدخّل من يزعمون أنهم ملمّون بكل شيء، فسلبوا مني شعاع الحياة في أكثر سنوات العمر حرجًا.

 

سلبوا أمي؛ هنا أصبحت يتيمًا بمعنى الكلمة، لم أكن أفهم أولئك الذين أتوا بعدها ليملأوا مكانها، لم يفهموا أنها كانت حياةً كاملة، لا وظيفة تُؤدَّى بساعات عمل.

 

أصبحت هشًّا بلا أسوار، أصارع وحدي قسوة الكون، وقسوة الأسئلة في كل مرحلة عمرية، حتى تعلمت أن أرد بقصص وهمية لإسكاتهم.

 

أكره سنواتي الدراسية، منذ بداية الصف الثاني الثانوي، كم كنت وحيدًا، يداوي جروحي الرسمُ، والراديو المنبعث من هاتفي الصغير، الذي كان هدية عيد ميلادي من أمي، وكانت السماعة هدية من زوزو (طنط عزة).

 

طنط عزة الجميلة، الهادئة، ذات النمش الأبيض في وجهها، كم أحبها، وكم أحب نضالها.

 

أعتقد أنني لن أنسى تلك الشخصيات اللاتي ناضلن من أجل ما هو أكثر من بقائي على قيد الحياة، بل صنعن مني رجلًا يمتلك كامل حقه في الحياة، حتى بعدما سُلبت مني أمي، التي أهدتني إياها الحياة، واصلن النضال من خلف أسوار الدار، لم يكترثن بالتعب، كنا بالنسبة إليهن مشروعًا، وكنا حلمًا بأن ننعم بحياة.. فقط حياة.

 

لم أشارك تلك التجربة المدفونة في قلبي طوال ستة وعشرين عامًا بهدف كشف المستور، أو تصدر الترند، بل أشارك أملًا، وأشارك قصصًا تستحق أن تُروى؛ لأنني أعلم أنه، في مكان ما، هناك أشخاص يصارعون من أجل الحياة، أشخاص يملكون فرصًا أقل مني بكثير.

 

أريد أن أُسلط الضوء بشكل مختلف عن المعتاد.

 

أريد أن أهدم ما ترسخ منذ قديم الأزل.

 

لست ضمن مجموعة، ولست ضمن أقلية.

 

أنا لست أي شيء آخر.

 

أنا إنسان.

احصل على محتوى جديد كل أسبوع وتحديثات حصرية

اشتراكك في عالم هلبينج

سيتيح لك كامل المحتوى الحصري الأسبوعي من:

Service Iconمقال أسبوعي
Service Iconحلقة بودكاست
Service Iconحوارات مترجمة
Service Iconعالم غريب
Service Iconصفحة من كتاب
Service Iconتدريب كتابة

جاري التحميل...

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى