«إلى من يبحث عن الحب، الصداقة، الأبوة»
الساعة الآن السابعة صباحًا.. أخيرًا يوم الجمعة.. يومي المفضل..
لا أعرف لماذا أحب هذا اليوم بشدة، ولكني أعتقد أن باكرًا من كل جمعة تحل بركة معينة من الله، أطلقت عليها (بركة المفيش).. الدوشة مفيش.. الزحام مفيش.. الحر مفيش.. أكره الضجيج.. أصوات السيارات التي تجعل جهازي العصبي مستنزفًا عن آخره.. الشجارات المتتالية بين حارس العمارة المجاورة وقاطني الجراجات المحيطة وبين راكبي السيارات في المفرق المقابل لعمارتنا.. ولا أريد أن أستثني صوت عجلات (ستاندات) الملابس اللاتي يجرها أصحابها طوال النهار والليل، فصوتها يشبه قذائف RPG ..كل هذا (مفيش)!
كم أعشق الجمعة باكرًا.
والأهم وفوق كل هذا هو أن الناس أيضًا مفيش.. ولكن ما لي ولهم.. هل يزعجونني الناس بهذا القدر؟ لا أعرف.
لا أعرف لماذا تذكرت قصة ذلك الشخص الذي سأل السيد المسيح قَائِلًا: «يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟».
فَأَجَابَه المسيح وَقَالَ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ».
لاااااا.. هل يجب أن أحب الناس لأحيا مع الله في سمائه إلى الأبد؟
لا لا.. هو قال تحب قريبك فقط وليس جميع الناس!
وإذ بالحق يستعلن بداخلي مجاوبًا: قريبك هو كل من بقربك يا إيمي، وليس المقصود بنت خالتك.
أوك.. سأتنازل عن الوصية الثانية وأأخذ الأولى: (تحب الرب إلهك).. بلاها سوسو خد نادية.
ولكن... هل أنتِ تحبين الله من كل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك يا إيمي؟
يا إلهي.. لماذا كل هذا الاهتمام بقلبي بمن يحب وكيف يحب؟ أكره عندما ينهال عقلي بالتساؤلات فجأة.. أنا لا أفهم ذلك الشعور أصلًا!
كلما تاه عقلي في هذه التساؤلات، أجد نفسي ألتقط حقيبتي للخروج من المنزل.. لتشتيت نفسي؟ ربما.. لكن هذه المرة لم تكن مثل كل مرة.
ذهبت إلى مقهى قريب لأقابل شخصًا، وددت كثيرًا أن أتعرف إليه، ولكني دائمًا ما كنت أتعمد تأجيل اللقاء، ولكن يأتي وقتها حتمًا.. بعض اللقاءات تستنزف كل محاولات الهروب منها.. يجب أن تواجهها.
وصلت وطلبت كابتشينو، وجلست في هدوء، لا أعرف ماذا سأفعل في الدقائق المقبلة..
فتحت حقيبتي، وجذبت كتابي المقدس وكشكولي وقلمين، ووضعت سماعاتي في أذني، وصوت موسيقى هادئة يدوي منها.
وأثناء انتظاري.. وجدتني جالسة بالفعل في حضرة ذلك الشخص الذي وددت التعرف إليه، أنظر في ساعتي، لأجدها الواحدة ظهرًا.
هل أنا جلست هنا لمدة 5 ساعات متواصلة؟ ما هذا؟ ومن هذا؟!
كيف لم أمل حتى الآن؟ فأنا ملولة جدًا! ماذا قال لي ذلك الشخص؟ كيف لم يمل من هدوئي وأفكاري المتضاربة وأسئلتي المتلاحقة؟
ولكن لحظة.. فهو لم يجبني عن أسئلتي، إذًا لماذا لم أقم وأترك تلك الجلسة الطويلة؟
لملمت أشيائي وأنا في غاية حيرتي من أمري، ولكني أشعر بشيء غريب.. وكأن قلبي يتحسس أمرًا جديدًا عليه.
أشعر أني على مشارف هذا الشيء الذي يدعونه (الحب).
معقول؟! أأحببته؟!
نعم أنا أحببت هدوءه.. إنصاته.. عدم حكمه علي من أفكاري وأسئلتي.. حكمته.. تقديسه لمشاعري حين بكيت، وإمهاله علي حين كتبت في كشكولي ما يخيفني وما حدث معي البارحة وما أكرهه.. وقته الذي أعطاه لي بالكامل بكل حب.. كلامه في إنجيل يوحنا مع المرأة التي أمسكوها في خطيئتها، وأراد الناس أن يرجموها.. قَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!».
لقد جعلهم كلهم غادروا وتركوها.. لأن قطعًا لا يوجد إنسان لا يخطئ.. اممم أعتقد هذا سبب من الأسباب التي تجعلني أنزعج من الناس.. فهم كثيرو النقد، كثيرو ادّعاء الصلاح، كثيرو الحكم، كثيرو... ما علينا.
رأيته بعدها يكره الخطيئة، ولكن يحبني أنا كل الحب حينما قال لها: «وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلَا تُخْطِئِي أَيْضًا».
واكتشفت.. أن أسئلتي الوجودية لم تجبها جلستنا هذه، ولكنه وضع أساسات في قلبي.. أساسات الحب!
بأفعاله.. بأقواله.. وكأن قلبي بين يديه (أنتيكة) غالية الثمن، ولكنها صدئة، والمادة الوحيدة القادرة على إذابة ذلك الصدأ وتحويله إلى نور وهج هي (المحبة).. ولكن الأمر يتطلب وقتًا.. وأنا مُتعجلة.. مُتعجلة جدًا.
ظننت أني أنا المسيطرة في ذلك المشهد، وأنا من قرر مواعدة ذلك الشخص واكتشافه، ولكني وجدت كل الأمور تسري بيديه، وتشكيل من نوع مختلف يحدث بيده في!
كانت تلك جلستي الأولى معه، ولكنها لم تكن الأخيرة..
أتريد أن تعلمني الحب؟ لماذا؟ كي أحيا معك حياة أبدية؟
لماذا تريدني معك؟ لماذا تبذل كل هذا المجهود والتضحيات من أجلي؟ أتحبني بهذا المقدار؟ أجبني لماذا؟
كان رده: «وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ» (إر 31: 3).
أوك.. أتريد أن تعلمني الحب لكي أحبك أنت.. قد يبدو ذلك مألوفًا لفهمي.. ولكن.. لماذا تريدني أن أحب الآخرين؟
رد علي في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 4-5:
«فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هَكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ».
وقال لي أيضًا في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 12 : 26:
«فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، تَتَأَلَّمُ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، تَفْرَحُ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ مَعَهُ».
ما هذا؟
أنا وهؤلاء المزعجون أعضاء في جسد واحد! ماذا يعني هذا؟ أنا لا أفهم أي شيء!
صرخت عندما ضرب إصبع قدمي الصغير بحافة الباب؛ فتألمت بشدة، وإذ بي أجد ساقيّ تقودان قدميّ، ليأخذوني إلى حقيبة الإسعافات الأولية، ويداي تبحثان عن مطهر وشاش، وعيناي ترشدان كل هؤلاء إلى الطريق بوعي من عقلي، وأيضًا لساني يجيب أمي التي قد سمعت صوت تأوهي من بعيد، وتسألني ماذا حدث بي.
كل هذا حدث في أقل من 30 ثانية بتناغم رهيب، وكأن أعضائي ليست أعضاء في جسدي أنا، ولكنها أعضاء في أوركسترا عمر خيرت!
وكأن هذا الحادث البسيط قد حدث خصيصًا الآن؛ ليكون بمثابة تطبيق عملي على مفهوم الجسد الواحد!
أهذا ما تقصده يا الله؟
أتريدنا أن نحب بعضنا بهذه اللهفة وهذا التعاون؟
وإذ مداركي تتسع لتفهم مقاصد الله، وما أهمية المحبة، ومدى ارتباطها بمكانتي عند الله في سمائه، وما وجه إصراره أن يرتبط كل شيء بالحب، وإصراره أن يعلمه لي، ولماذا حينما اختار الله أن يُنعت بصفة، اختار أن يكون (الله محبة).
هل عرفت من هو الشخص المذكور أعلاه؟ هو صديقي وأبي الذي يهتم بتشكيلي دائمًا على أبهى صورة، وأنا شغله الشاغل.
وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. (رسالة يوحنا الأولى 4: 7)
