لولا الصبر

بولا سالم يكتب

لولا الصبر

أكتب هذه الكلمات، وأنا جالس أمام البحر، أشاهد أشعة الشمس وقت الغروب وهي تختفي رويدًا رويدًا وراء الجبل.. لون السماء جميل جدًا.. درجات من الأزرق والبرتقالي ينتصفها لون أرجواني، ومرسوم عليها هذه السحب البيضاء، تشكيلة غريبة ومبهرة من الألوان، مع صوت أمواج البحر وطيور النورس تفرد أجنحتها مع نسيم الهواء البارد الخفيف.

  

أنتبه إلى هذا الرجل العجوز الجالس أيضًا على كرسٍ خشبي، يصطاد في هدوء، وهناك أرى فتاة مع حبيبها في نزهتهما المعتادة مع كلابهما، أمسك قهوتي في يديّ، وأنا أستمع إلى صوت محمد منير في أذنيّ بصوت خفيض، وهو يهمس لي:

((ليه يا سنين العمر.. ترضي لينا بالمر.. ده لولا فينا صبر.. لهان علينا العمر…))

 

أتذكر في هذه اللحظة نظرة صديقي (ميدو) الذي كان ينظر إلي من مرآة سيارته، ويبتسم وهو يقودها، وأنا في الكرسي الخلفي، ونغني معًا هذا المقطع بصوت عالٍ ومسموع.. الآن أجد نفسي أقول:

 - ليه هان عليك العمر؟

 

في أوقات كثيرة، أعاتبه بيني وبين نفسي.. وأسأله سؤالًا لا أجد له أي رد:

- ليه؟!

 

أتحدث معه كثيرًا، أخبره بما فعلت، وما اشتريت مؤخرًا وأعجبني، وفيما نجحت، وعن خساراتي التي أنهكتني، وعن الفتاة التي أحببتها، ثم أنهي حديثي معه بالدعاء له، أدعي له من كل قلبي بسبب كل النصائح، التي كان يرددها عليّ باستمرار، ولكنه للأسف لم يقتنع هو نفسه بها، ولم يعمل بها.

 

 

أنا متفهم.. متفهم جدًا للاكتئاب.. متفهم جدًا للحالة التي يمر بها أي شخص تم تشخيصه بهذا المرض اللعين.

أنا متفهم.. متفهم جدًا للحياة التي يعيشها الإنسان المكتئب، التي تجعله يرى الدنيا بمنظور مختلف تمامًا عما يراه الآخرون من حوله..

الأصوات التي لا يسمعها أحد غيره..

الهالة السوداء التي تحتضنه بشدة، حتى تكاد تكسر عظامه..

الثقل الذي ينهك كتفيه..

اليد التي تحاول خنقه من رقبته..

ثم الاستسلام الذي يجعله يترك جسده للغرق..

يستمر في الغرق إلى الأسفل.. وأسفل الأسفل..

حتى يقرر في يوم أن كل شيء يجب أن ينتهي..

هذه المشاعر يجب أن تنتهي.. لا يستطيع مقاومتها بعد الآن، ثم يُنهي كل شيء.

 

يقترب طائر النورس بسرعة من سطح البحر، ثم يلتقط سمكة بخِفة، ويطير بها بعيدًا.. يلملم الرجل العجوز صيده الثمين، ويستعد للعودة إلى المنزل أخيرًا.. انتهت أغنية محمد منير، والليل بدأ في القدوم.. أين الفتاة وحبيبها وكلابهما؟ اختفوا مع اختفاء الشمس.

 

أتسكع على كورنيش البحر، وأشرد في التفاصيل الصغيرة التي أنتبه إليها يوميًا، تلك التفاصيل التي كانت ستضيع وتختفي، لو لم أقرر أن أختار الحياة وأن أعيش، أتذكر الرحلة الأخيرة التي قمت بها، والشوارع التي سرت فيها، وأنا أستمتع بكل ثانية بها..

أبتسم وأنا أنظر إلى الصور التي التقطتها مع عائلتي وأصدقائي، وقد استطعت أن أوثّق من خلال هذه الصور كل اللحظات وكل هذه المشاعر.

 

أتذكر تجمع عائلتي، وبيتنا الدافئ، وكلابي المرحة، والزرع الذي يكبر أمامي في حديقتنا،

أتذكر حتى الأيام الصعبة، والأوقات التي مضت وأنا وحدي تمامًا.. أكتب.. وأرسم.. أتأمل.. وأحاول في كل يوم أن أجمع شتات روحي من جديد، رغم جهلي التام بما تخبئه لي الأيام، وبما سيفاجئني به الغد.

 

 

لكنني أدرك حقيقة واحدة، لم أكن لأختبر أي من هذه التفاصيل، لو كنت اخترت في يوم من الأيام أن أنهي حياتي، لو كنت استسلمت للألم أو اليأس، وقررت أن أنهي حكايتي في هدوء، لم أكن لأعرف إحساس ضحكتي العالية من القلب، أو طعم القهوة المُر اللذيذ في فمي، أو الدفء الذي أشعر به الآن، لم تكن لتسنح لي الفرصة أن أتعلم، وأن أجرب، وأن أختبر، وأن أحب، وأن أعيش.

 

عزيزي ميدو:

تحياتي الحارة ودعواتي اليومية، أتمنى أن تصل إليك في مكانك، هل تتأمل البحر مثلي الآن؟ تُرى ما لون البحر في المكان الذي تسكنه روحك الآن؟ هل صرت تحب صوت الموج مثلي؟ أم تفضل بحرك هادئًا وساكنًا؟

 

عزيزي ميدو:

آه.. لو كنت فقط تمسكت لحظة واحدة بالحياة، لحظة واحدة فقط، كنت سأخبرك أن الحياة حلوة بالرغم من قسوتها، كنا سنستمر في الغناء على أنغام منير، ليخبرنا أن كل مُر حتمًا سيمُر.

آه.. لو كنت فقط تشبثت بقليل من الصبر، لو لم تتعجل في إنهاء الحكاية، كنت ستشرد في ألوان السماء العجيبة، كانت ستنتشلك للحظات مما تغرق فيه.

أفهم والله ما كنت تشعر به، لأنني شعرت به، ربما لأنني وجدت أملًا في هذه الشمس، التي تشرق كل يوم من وراء هذا الجبل، وربما لأنني وجدت في نفسي رغبة في التسكع مع حبيبتي وكلابنا يومًا ما.

 

عزيزي ميدو:

آه.. لو لكنت انتظرت للحظات، لكنا شاهدنا هذه المشاهد معًا، وتعالت ضحكاتنا،

ولكنني أعلم أنك هناك على الضفة المقابلة من الحياة، تجلس مبتسمًا، هانئًا آمنًا حتى يحين موعد لقاؤنا الذي حتى يحين، فلن أتعجله أبدًا.

 

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

استخدم 8 أحرف على الأقل تشمل حرفاً إنجليزياً كبيراً وصغيراً ورقماً ورمزاً مثل ! أو @.

تأكيد البريد الإلكتروني

أكد بريدك الإلكتروني أولاً لإكمال الاشتراك. افتح رابط التأكيد لتسجيل الدخول تلقائياً.

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى