شاهدت مرة مقطعًا عبر انستغرام، تقول فيه إحداهن ساخرة: ((تزوجي وحيد القرن، ولا تتزوجي وحيد أمه))، ضحكت يومها، ثم توقفت عند الفكرة طويلًا، لأنني كائن وحيد دون إخوة، لطالما قيلت لي تلك الملاحظة: ((رغم أنك وحيد، ولكن شخصيتك تمام))، أما المقربون فيقولون لي: ((أنت نسخة كربونية من يحيى الفخراني في حمادة عزو))، والرأيان بلا شك فيهما تجنٍ ومبالغة، وتساءلت كم من حكم نصدره على الناس من صورة نمطية، نعم، الدلال مفسدة على الأغلب، ولكن كل شيء في الحياة هو (بين بين).
الناس ينظرون إلى الابن الوحيد نظرة واحدة: هو طفل مدلل مهما كبر، تحيط به الرعاية من كل جانب، ويرى نفسه محور الكون، شخص أنانٍ بشكل مفرط عديم المسئولية واتكالٍ، وهذا صحيح في جزء منه، ولكن من زاوية أخرى، أن تكون ابنًا وحيدًا يعني ألا تذوق الحرمان، وأن تستشعر الوفرة حتى في القليل من الأشياء، هي أن ترى العالم والناس بعين الثقة والمحبة، لست كسارتر: ((الآخرون هم الجحيم))، بل كما أوثر أن أقول: ((الجنة لا تُداس، إذا كانت بلا ناس)).
ألم أشعر بالوحدة في طفولتي؟ لا.
وتلك هي المفارقة، بيتنا لم يخلُ يومًا من الأصوات، عماتي حولنا، وأقاربي يدخلون ويخرجون، كان هذا في الماضي، ولكن أين هم الآن؟ غابوا جميعًا، وباتوا في سجل الذكريات، الوحدة عند الابن الوحيد كما عشتها أنا وصلت متأخرة، حين تبدأ النفس تتساءل: كيف يُملأ هذا الغياب؟ وهنا يكون مقدرًا للابن الوحيد أن يصير حارسًا لذاكرة لا يشاركه فيها أحد، فيحملها كاملة ويرويها.
لا أنسى ذلك المساء في مراهقتي، حين كنت في السادسة عشرة من عمري، كنا نسكن جميعًا في بيت واحد مع عماتي، ونزلت إلى صالة الجلوس، وعلى وجهي عبوس لا أخفيه، قال لي أبي على صيغة سؤال: ((مؤكد أنك مفلس؟))، فقلت: لا، ولا أذكر اليوم ما كان سبب عبوسي، أمرني فورًا أن أذهب إلى الفرن على مسافة دقائق مشيًا، وأن أعود بثلاثة أرغفة فقط من الحجم المضاعف، وفي الوقت نفسه طلب منهم أن يجهزوا طبقًا من البيض والطماطم، ذهبت وأنا مثقل النفس، ولا أستطيع بالطبع أن أُظهر ثقل هذا التكليف على نفسي، لكني ذهبت، وعدت أخيرًا، وجلسنا على المائدة، أنا وأبي وأمي وعماتي، واختفى (مزاجي العكر)، سألني أبي فجأة وأنا على المائدة: ((هل شبعت؟))، فقلت: ((الحمد لله))، فقال لي كلامًا لم أنسه يومًا: ((إياك أن تربط سعادتك بالمال أبدًا، تأمل عشاءنا الليلة، لم يكلفنا سوى أقل من دينار واحد، ومع ذلك اجتمعنا جميعًا على مائدة واحدة، ولم ينقص منا فرد، هذه هي السعادة، أن تستشعر أهلك حولك، وأن تفرح بهذه النعمة، لأنك ستفقد هذه اللمة يومًا ما))، وقد كان.
من يومها عرفت أن كل إنسان في حياتي هو منحة ورزق، وأخذت أتأمل دائمًا فكرة الزوال، ترسخ في عقلي ووجداني مبكرًا أن البشر من حولي هم نِعم، وتلك النعم زائلة، وأن من يدرك ذلك، يعش أشد عرفانًا لها من غيره، لأن مثول الفناء في الذهن هو زاد من الحكمة، قبل أن يكون فجيعة للقلب، يجعل إمساكك بكل دقيقة أشد قبضةً، إذ تدرك أن ما نملكه اليوم، لن يبقى على حاله غدًا، فمن يعِ هذا مبكرًا، يعش فياضًا بالحب لمن حوله، وأكثرهم إشفاقاً من لحظة الفراق، وهذه - فيما أظن - حكمة تخص كل إنسان بالطبع، لا الابن الوحيد وحده، ولكن هذا الإدراك منذ طفولتي جعل عقلي دائمًا يرصد ويراقب كيف تمضي الأشياء والبشر من حولي.
وحين أستعيد اليوم صورة تلك المائدة، أعرف أن ما حذرني منه قد كان بالفعل، انفضت اللمة، وصار كثير ممن جلسوا حولي في ذلك المساء أسماء أرددها في الدعاء، لا وجوهًا أراها على العشاء، والعجيب أن هذا الفقد لم يطفئ في داخلي جذوة الامتنان بل زادها اشتعالًا، فصرت كلما جلست إلى مائدة ممتلئة بالوجوه، أستحضر تلك الليلة، وأدرك أني ما زلت رغم كل هذا الغياب، خريج تلك المدرسة، التي لا تمنح شهادتها إلا لمن تعلم أن يفرح بالقليل قبل أن يُسلب منه الكثير، هي مدرسة الحنان.
هذه هي متلازمة الابن الوحيد كما عشتها، لم تكن دلالًا يفسد، ولا وحدة تُنقص من الحياة وتصيبها بالسأم، بل درسًا في الامتنان والحب، يتعلمه كل من أدرك أن البشر هم نعم لا تدوم، فإما أن نسميها متلازمة، وإما أن نسميها نعمة، ولكل ابن وحيد أن يختار الاسم الذي يليق بتجربته.
