أغلى من الياقوت

طاهر المعتز بالله يكتب

أغلى من الياقوت

حين أتم علي عامه الأول، قررت والدته اصطحابه إلى تدريب السباحة لينمو مثل أقرانه، لا تهمني سرعة نموه، ولا يهمني تفوقه على أقرانه، ولكنني وافقت لأنه يحب الماء، وأنا أحبه، وأحب ما يحبه، أما الأكاديمية ومستوياتها ومتطلباتها، فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم، ستضغط عليه الدنيا بما يكفي، وسيهرول وينجح ويحصد ولا يكتفي، لذلك أدعو الله أن أكون محطة الراحة في مسيرته الشاقة، لا حامل (كرباج) تقدمه إلى الأمام.

في اليوم الأول غمرتني رائحة الكلور فور الوصول إلى حمام السباحة المغلق، وغمرته أصوات اللعب والقفز والتوجيه، فجأة شعرت بيده تمسك بي بقوة، حاولت أمه أخذه ليبدل ملابسه؛ فحاوط رقبتي بيده الأخرى، وتشبث بي بكل ما أوتي من قوة، قوة صغيرة، ولكنها كبيرة بما يكفي كي لا أتركه، سنتأخر عن التدريب.. لا يهم، سيغضب المدرب.. لا يهم أيضًا، سيضيع ثمن الحصة.. وهي خسارة أقل كثيرًا من أن يضيع شعوره بالأمان، ما فائدة أن يطمئن في الماء إذا لم يطمئن خارجه؟ قبلت يده الصغيرة التي طالما بحثت عن والدته وقت الجوع والنعاس، وبحثت عني وقت الخوف، واحتضنته مثلما اعتدت أن أحتضن والدي، تذكرته، فانكمش قلبي، واشتدت يداي، كأنك هنا يا أبي، أنت أنا، أنت هنا بالفعل.

بعد كثير من المحاولات، نزل إلى الماء على مضض، حاول المدرب جذب انتباهه بشتى الطرق، ألعاب وحيل لم تفلح في رفع عينه من علي، ما زلت على العرش لا يهددني صاحب ولا حبيبة، يمد يديه ناحيتي، ويغضب لأنها تعود فارغة، كم مرة سيحاول دون الوصول؟ يبكي، لا أتحمل، أخرجه من الماء وسط اعتراض مدربه، يطعنني بنصيحة مسمومة بصدمات تربيته، ويؤكد أنه إذا استمر الحال كما هو عليه، فسأواجه مشاكل كبيرة في المستقبل، لا يعلم العراف أنني أعلم، سأواجه الكثير من المشاكل بلا شك، كل ما أريد هو ألا أكون أحد مشاكله، أحضنه وأنا ألف (الفوطة) عليه، فيضحك كأنما لم يحدث شيئًا، أحكم لف الفوطة جيدًا، لن أستطيع حمايته من كسرة القلب، ولكنني على الأقل سأحميه من البرد.     

المرة التالية تكرر الموقف بحذافيره، فطلب مني المدرب أن أنزل معه لأساعده في كسر رهبته من الماء، لا يعلم المدرب الحريص على برنامجه أن عليًا لا يخشى الماء، ولكنه يخشى البعد عني، فأنا مصدر أمنه وقوته، ولم أتحول بعد إلى سبب غضبه وهدف ثورته، سيأتي ذلك لاحقًا، ولذلك، إذا كان نزولي سيشجعه، سمعًا وطاعة أيها المدرب، ليس لأن ذلك سيساعده على تعلم السباحة، ولكن لأنه سيساعدني على ممارسة الأبوة، لمدة نصف ساعة سأستطيع منافسة أمك الخارجة عن المنافسة، لمدة نصف ساعة سأحتكر حبًا، أعلم يقينًا أنني لن أحصل عليه خالصًا سوى بعد الرحيل.

وفي أحد الأيام بعد وصولي إلى حمام السباحة، فوجئت بنسيان زي السباحة، قفزت الفرحة في أعين المدرب، وسارعت أمه لتخبرني بأنها فرصة رائعة لاختبار درجة استعداده للنزول وحيدًا، فرصة رائعة لتصبح بلا فائدة، أبدلت له والدته ملابسه سريعًا قبل أن أرد، ووقفت عاجزًا عن إيقاف القطار بعد تحركه، قال لي المدرب بتشفٍ ((لا تقلق))، ما حدث كان سيحدث، بالتأكيد لم تكن تنوي النزول معه لآخر الشهر؟ أبتسم رغمًا عني، وأسخر من السؤال، قطعًا لا! آخر الشهر؟ كنت أنوي النزول معه لآخر العام، لآخر عمري إن استطعت، ولكنني لن أستطيع.

ناولته أمه للمدرب وهو يتلفت بحثًا عني، شيء ما يخبره أن اليوم مختلف عما سبق، شيء ما يخبره أنه سيخوض الرحلة وحيدًا، ازدادت حركته، وعلى صوتُه، يمسك بيديّ أمه، ولا يريد إفلاتها، دار برأسه مرة أخيرة، فلمحني خلف العمود، صرخ بأعلى صوته، كيف تتركني وحيدًا؟ كيف تسمعني ولا تأتي؟ رمقتني أمه بنظرة أعرف معناها، وطلب مني المدرب الانتظار بالخارج؛ لأن وجودي يعطله.

هنيئًا لك انتقامك أيها الوغد!

خرجت وأغلقت الباب، ووقفت خلفه أراقبه، والغضب يحرق قلبي، والدمع يملأ عينيّ، لماذا أبكي؟ لأنني أعلم أن وجودي يعطله بالفعل، لأن من يملك عوامة، فلن يغامر بالعوم دونها.

يبكى لغيابي، وأبكي لأنه لا يعرف أنني موجود.

مع الوقت هدأ قليلًا، وبدأ في التركيز مع مدربه المنتشي بإزاحة الأب العنيد، ولكنه لا يعلم أن الأب وحيد.

وبعد المزيد من الدقائق مرت كالساعات، توقف عن البحث عني، فتوقف قلبي، تلك هي النهاية الحتمية، ذلك هو المشهد الأخير مهما طالت المسرحية، مشهد لن تشارك فيه كأب ولن تحضره، مشهد سيكون أصعب ما عليه خلاله نسيانك وتخطيك.     

تذكرت آخر مشهد شاهدته مع أبي في غرفته بالمستشفى، غرق السفينة تايتانيك، مات جاك وترك روز تصارع بين الحياة والموت، إما الحياة من أجله، وإما الموت من بعده، اختارت الحياة، وبدأت في العوم، خطورة موقفها أنستني مصيبتي، لم أعد أتذكر أن والدي الذي دخل المستشفى بكامل قوته، لن يخرج منها حيًا، لا يهم إن كان ملء السمع والأبصار، لا يهم إن كان الأكرم والأرحم والأخف دمًا، المرحلة الرابعة من سرطان البنكرياس لا ترحم، المرحلة الرابعة لن تضحك على نكاته، ولن تجري على الباب فور سماع صوته، روز منهكة، لا يكاد صوتها يسمع، ولكنها تحاول، تضع الصافرة في فمها، وتنفخ بكل قوة، أتذكر أبي فجأة، ألتفت إليه لأجده ينظر إلي، مثلما لم ينظر إلي من قبل، يقولون إن للموت سكرات، أدرك أن له نظرات أيضًا، يقول لي: ((اوعى تبطل تصفير))، أخرج من الغرفة سريعًا، لا أريده أن يعلم أنني أغرق بالفعل.

الآن يتعلم علي السباحة أمامي، وأدرك للمرة الأولى هدف التمرين، يجب أن يستعد للبحر، يجب أن أجهزه للرحيل، أليس هذا الهدف الأسمى من التربية أن أفعل كل ما بوسعي ليستمر في غيابي؟

وها هو وعدي إليك يا بني: سأقسو عليك قليلًا، وسأخذلك كثيرًا، ولكنني لن أتركك لحظة واحدة، فحتى وإن لم ترني بعينيك، فسأكون الصوت في عقلك، والنبض في قلبك، وستتذكرني مثلما تذكرت أبي، وستعلم أن الحضن يبقى إلى الأبد.

ركبنا السيارة، ووالدته لا تعلم سر صمتي، صوت أحمد مكي يملأ الآفاق وهو يقول:

-هأقول لك كلمتين عندي أغلى من الياقوت، كنت معاك يوم ولادتك عايزك جنبي لما أموت.

الآن فهمت يا أبي.. الآن فهمت.   

احصل على محتوى جديد كل أسبوع وتحديثات حصرية

اشتراكك في عالم هلبينج

سيتيح لك كامل المحتوى الحصري الأسبوعي من:

Service Iconمقال أسبوعي
Service Iconحلقة بودكاست
Service Iconحوارات مترجمة
Service Iconعالم غريب
Service Iconصفحة من كتاب
Service Iconتدريب كتابة

جاري التحميل...

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى