لغة حب عائلتي: المكتبات، عندما فرز أبي مكتبة والده، وعدني أن يورثني كتبها، وفي يومًا آخر اصطحبني جدي والد أمي إلى مكتبته الزاخرة بالكنوز، وقال لي إنني وحدي مَن أستحقها، وعندما غيرت ديكور حجرتي، منحني أبي خشب مكتبة والده، فصنعت منها مكتبتي الخاصة، وملأتها بالكتب، حتى صارت ركني المفضل، أما زوجي، فعندما أراد أن يقول لي ((أحبك))، قال إنه سيصمم لي مكتبة أحلامي في منزلنا، ثم وقف بنفسه يساعد النجار في تأسيسها، ففي عائلتي، لم تكن المكتبات يومًا مجرد كتب، بل رسائل حب مؤجلة، وربما تكون مكتبتي الأخيرة هي أطول رسالة سأتركها لابنتي.
علا طارق
خبر عاجل يملأ جميع الجرائد وقنوات التلفزيون:
((افتتاح مكتبة الإسكندرية))، لم تمضِ سوا أيام، وكنت على متن القطار في طريقي إليها، ولكن عند وصولي إليها، مُنعت من الدخول، قالوا لي إنني لا زلت طفلة، لا أحمل هوية شخصية، تعجبت، فهل لحب الكتب عمر معين؟! رحلت، ولكني وعدتها بأني سأعود، وبالفعل بعد سنتين، استخرجت الهوية، ووفيت بوعدي، كانت المكتبة مبهرة، ضخمة، أنيقة ومليئة بأعداد من الكتب، التي لم أرها من قبل، وفي هذه اللحظة أيقنت أنها كانت تستحق كل هذا الانتظار.
حنين أحمد
فور قراءتي للكلمة، لم أستطع تجاوزها، فارتباطي بها وثيق وقديم، كانت لدي مكتبة، كبرنا معًا، أنا وهي على التوازي، حتى صارت ثلاث مكتبات غارقة بالكتب، إلى أن جاء يوم من عام 2021، وسُلبت مني بأبشع الطرق وأقساها، وكان الوجع وجعين، لأن من سلبها كان حريًا به حمايتها وحمايتي، ذهبت مكتبتي كاملة، وتركتني أكمل حياتي دونها، لكن الحياة لا تقف، واليوم أكتب هذه الذكرى وبجواري مكتبتي الجديدة، صارت عندي «غرفة مكتبة»، فالحمد لله.
مشاعل مجراشي
مكتبتي الصغيرة، ليست مجرد ركنٍ للرفوف، بل هي ملجأي الأخير؛ لأكون أنا.. بكل صدقي وبساطتي وهدوئي.
آلاء السقا
موعد على الشاطئ في يوم خريفي، السماء لوحة من الألوان تمهّد لظهور الشمس، صوت الأمواج يعلو كضوضاء بيضاء تعزلنا عن العالم، رائحة البحر تعطينا سببًا لنحب الحياة، وأقدامنا تغوص في الرمل، كأن الأرض تتمسك بنا، نتشارك قراءة الكتاب نفسه، ولكننا نعلم أنه في نهاية اليوم، سيعود إلى مكتبتين مختلفتين.
يمنى الغنيمي
كنت أأخذ أولادي بعد المدرسة إلى مكتبة المركز الثقافي البريطاني بالإسكندرية، نختار الكتب، نستعيرها، ونعود أحيانًا بأفلام واسطوانات أغانٍ، بين هذه الرفوف عشنا جزءًا من طفولتهم، أحب الكتب، وأحب أولادي، وكنت أحب أن أجمعهم في مكان واحد، كنت أظن أننا نذهب فقط لنختار شيئًا نقرأه أو نشاهده، ولم أكن أعرف أننا كنا نصنع ذكريات ستبقى معي ومعهم بعد أن يكبروا، اليوم كبروا، وأُغلقت المكتبة، ولكن كلما رأيت مكانها أبتسم، وأتذكر أيديهم الصغيرة وهي تختار، والوقت الذي كان يبدو وقتها عاديًا جدًا، هناك أماكن أكثر من مجرد أماكن بل جزء من حكاية.
هبة لطفي
أشعر بالفخر كلما نظرتُ إلى مكتبتي، اخترتُ مكانها بعناية في الغرفة أمام السرير؛ حتى تكون أول ما تقع عليه عيناي عندما أستيقظ، كل رف يحمل مجموعة من الروايات، أو بمعنى آخر مواقف وذكريات مرتبطة بها، مجمعة بين صفحات من الورق ورفوف من الخشب، أنظر إليها بدلًا من المرآة؛ حتى أرى نفسي.
محمد تقيّ
بطول المنزل وعرض الحائط، كانت مكتبة جدي، كانت أشبه بفانوسٍ سحري، تجد فيها كل ما يخطر ببالك، كُتبًا من مختلف المجالات: تاريخ، علوم، طبيعة، رومانسية، جريمة، فلسفة، وحتى كتب الأديان المختلفة، لم تقتصر على الكُتب، تجد في أدراجها أدوات صيانة، وفي ضلفها أطقم عَشاء، وعلى رفوفها الوسطى اسطوانات موسيقى (الجرامافون) وشرائط (الكاسيت)، لم أكن أملُّ لحظة من اكتشاف ما تُخبئه، فقد كانت لطفولتي عالمًا كبيرًا لا ينتهي.
مي خضر
عندما كانت تذهب إلى مكتبة الأدوات المدرسية لشراء كتب المدرسة، كانت تجذبها الأقلام الملونة ذات الحبر المزود (بجلتر)، والممحاة ذات شكل (الفراولة)، لكن الخوف كان يمنعها أن تطلبها منه، فتودعها بعينيها حزنًا، لكني الآن أقصد التسكع بهدوء في المكتبات لإعطائها المساحة لتختار ما يجذبها، أبتاعُ لها كل ما تشتهي من الأدوات، وفي كل مرة أرى الممحاة ذات شكل (لوح الشيكولاته)، التي اختارتها في آخر مرة، ووضعتها على رفوف مكتبة حجرتي، أسمع ضحكاتها بداخلي، وأبتسم.
صفية فؤاد
في عصر سمته الأساسية (الخوف من أن تفوتك الأشياء)، أعيش في خيالي داخل مكتبة المعهد الفرنسي بالمنيرة، التي لطالما حلمت بالعمل بها كأمينة مكتبة، ذلك الحلم النابع من سنوات قضيتها في طفولتي داخل مكتبة مصر العامة (مكتبة مبارك سابقًا)، والتي حرصت والدتي على الاشتراك بها؛ لتنمي داخلي حب القراءة كبوابة لعيش حيوات أخرى، كما قال الأديب الراحل طه حسين.
نوران مجدي
أتعامل مع الأشخاص في حياتي كأقسام المكتبة، تلك هي مسئولة قسم العلاقات الإنسانية والعاطفية، وهذا أتخد معه قرارت حياتي الهامة، أما أعز صديقة تلملم شتات أفكاري المبعثرة هنا وهناك في قسم الملخصات، أختي قسم الروايات والأحلام، أما عن أمي فهي الموسوعة التي ألجأ إليها، عندما لا أجد إجابة عند جميع ما سبق.
نورهان فرغلي
كلما شعرت بشيء لا أعرف كيف أتعامل معه، أفتح كتابًا يشبهني، فأهرب إليه، وأترك لشعوري مساحته بين صفحاته، أحيانًا أغلق الكتاب قبل أن ينتهي شعوري، فيظل مفتوحًا في مكان ما بداخلي، ويظهر فجأة وأنا أقرأ كتابًا آخر، ربما لهذا أصبحت مكتبتي ممتلئة بالكتب المفتوحة.
أماني محمود
وقعت على ضفاف النيل، وبالقرب من بيت جدي، أولُ مكتبة عرفتها في حياتي، عظُم قدرها في قلبي، وأضّفيت هالة على روادها، وسعيت أن أكون منهم، فظللت أقرأ كتابًا تلو الآخر في شتى المجالات، لأهيئ نفسي لدخولها، ومرت سنون، ومات جدي، وأغلقت المكتبة، وما زلت أقرأ، ولم تطأها قدماي يومًا.
أسماء إسماعيل
أهم علامات حبي لشخص ما هي منحه جولة بين الكتب الكامنة في مكتبتي الصغيرة، يا إلهي! كم أحب أن أتحدث معه عن هذه الكتب مسترسلًا في الحديث عن مدى حبي لها، وقدرتها على تغيير حياتي وتشكيل مشاعري في كل مراحل قراءاتي، أعتقد دائمًا أن كتبي هي انعكاس واضح لمن أكون؛ ولهذا يصعب علي أن أعير أحدًا كتابًا لأنه بمثابة قطعة مني، وإن حدث وأعرته، أعاهده على أن يحافظ عليه جيدًا، لأنها (أي كتبي) أغلى ما أملك.
عمر حسام
كان أبي حريصًا على أن يجعل القراءة جزءًا لا يتجزأ من شخصيتي، فمنذ الطفولة بدأ الأمر بإعطائه لي مكافأة مادية مقابل قراءة كتاب وتلخيصه له، فأصبحت أجني ثروة قبيل قراءة الألغاز، وحين أدرك حبي الشديد لها، توقف عن إعطائي أي مقابل، فكانت المكافأة هي الذهاب إلى المكتبة لشراء المزيد، فكنت أنتظر أن يأتي لأبي مشوار في وسط البلد؛ حتى أذهب معه، ويأخذني إلى المكتبة الكبيرة (لا أتذكر اسمها)؛ لأبتاع الكثير من الكتب، وينتهي اليوم بزيارة للعبد لشراء (الدنش والآيس كريم)، ستظل تلك من أحلى ذكرياتنا معًا.
دينا عطية
أول قطعة أثاث اشتراها حبيبي لمنزلنا، كانت مكتبة، مكتبة بسيطة جدًا، عبارة عن مجموعة رفوف خشبية تتماسك معًا كوحدة هندسية كبيرة، كم يحبني! أدركت ذلك وقتها، وتأكدت منه، لم يشترِ ثلاجة أو موقد غاز، بل مكتبة، لمعرفته الواثقة بعشقي لاقتناء الكتب، ولأنه فعل ذلك، كافأته بأن جعلت أرفف المكتبة تمتلئ، بدلًا من الكتب، بإطارات صورنا على مدار سنواتنا معًا، وتزينها مقتنياتٌ لطيفة، ابتعناها من كل بلد زرناه سويًا، لم تكن مجرد مكتبة، كانت متحفًا للذكريات، ولا تزال، وستظل.
منى شاكر
كم كانت تثيرني أفكاره وطريقة إدارته للحوار، وكم المعلومات التي تنزلق من لسانه دون أدنى مجهود، وكأن لكل معلومة في عقله ركنًا مخصصًا يفتحه ليستحضرها بكل سهولة وسحر، وكلما كنت أتعجب، كان يخبرني بأن هذا سره الخاص، حتى زرت يومًا مخبأه، ورأيت سره، لم تكن مكتبة عادية، ولكنها كنز، و تشبه في أركانها خيالاتي عن شكل عقله، ولطالما تمنيت يومًا أن يكون هذا (الكنز) ملكي، ولكن (ليس كل ما يتمناه المرء يدركه)، كما كان يقول على لسان شاعره المفضل.
فاطمة حامد
كلما نضج عقلي، كلما ازداد تساؤله، حتى استقر على سؤال واحد، كيف؟! كيف وأنت الذي كان يتقن أربع لغات؟ كيف بعد أن قرأت مئات الكتب عن مختلف الأمم والحضارات؟! كيف لم تستطع أن تفهم اللغة التي أتحدثها؟! كيف لم تحاول أن تقرأ رسالاتي التي كتبتها؟! ليتني كنت كتابًا تاريخيًا أو رواية يا أبي، لتحتضن أوراقي، وتقرأ ما بداخلي، أو تهتم لوجودي على رفوف المكتبة.
نسمة عماد
يوميًا أتأمل مكتبتي، فأرى في كل كتاب ذكرى من حياة عشتها بكامل اختياري، حياة كنت أملك فيها وقتي، وشغفي، ونفسي، لا يستغرق تأملي طويلًا، حتى أشعر بابنتي الصغيرة تجرني من جلبابي، وكأنها تجر جسدًا أثقلته الأيام، فأترك تأملي وأتبعها، وحين أرفع عينيّ مجددًا، تقعان على شهادتي التخرج والماجستير المعلقتين فوق المكتبة، اسمي هناك، كما لو أنني أنظر إلى نفسي في المرآة، فأجد امرأة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه، فأحدّق فيها للحظة، وأسألها: حقًا.. من أنتِ؟
رشا عصام صالح
